* الشِّعْرُ… صَوْتُ المُجْتَمَعِ… صَرْخَةُ آلَامِهِ، وَعُنْفُوَانُ الحَضَارَةِ.
* قَدَرُ الشَّاعِرِ… هُوَ قَدَرُ الإِنْسَانِ… قَدَرُ المُجْتَمَعِ.
عصمت شاهين الدوسكي
البَحْرُ، السَّمَاءُ، القَمَرُ، الإِنْسَانُ.. كُلُّ شَيْءٍ يَتَنَفَّسُ يَحْتَاجُ إِلَى الشَّمْسِ، الظِّلِّ، الرَّبِيعِ، المُوسِيقَى… إِلَى هٰذَا العَالَمِ الغَرِيبِ، المُدْلَهِمِّ، المَرْئِيِّ اللَّامَرْئِيِّ، المُتَيَسِّرِ، الثَّائِرِ، الهَادِئِ… إِلَى هٰذَا العَالَمِ الَّذِي يَتَمَنَّاهُ… بَلْ جَرَّبَهُ كُلُّ شَابٍّ… عَالَمَ الشِّعْرِ… الشِّعْرِ… هَلْ يُعْرَفُ؟ هَلْ بِالإِمْكَانِ وَصْفُهُ حَقِيقَةً وَاضِحَةً لِلْعِيَانِ؟
كُلُّ مَنْ وَصَفَ الشِّعْرَ… كَيْفَ يَأْتِي وَكَيْفَ يَذْهَبُ… كُلُّ مَنْ وَصَفَ عَالَمَهُ الَّذِي لَا حُدُودَ وَلَا نِهَايَةَ لَهُ… لَا يَجِدُ إِلَّا أَنَّ وَصْفَهُ يَحْتَاجُ إِلَى عُمْقٍ أَكْثَرَ… وَنِهَايَاتٍ أَعْظَمَ… سَيَشْعُرُ بِالتَّعَبِ، بِالإِرْهَاقِ الفِكْرِيِّ، الشِّعْرُ هٰكَذَا يُتْعِبُ الآخَرِينَ، يَتَلَذَّذُ بِآلَامِهِمْ… فِي نَفْسِ الوَقْتِ نُورٌ فِكْرِيٌّ وَسَبِيلٌ لِنَجَاةِ الرُّوحِ مِنْ دَوَّامَاتِ الحَيَاةِ الصَّاخِبَةِ. الشِّعْرُ… صَوْتُ المُجْتَمَعِ… صَرْخَةُ آلَامِهِ، عُنْفُوَانُ الحَضَارَةِ… مَنْ يَتَحَمَّلُ كُلَّ هٰذَا العِبْءِ، الهَيَجَانَ، البَرَاكِينَ، الأَعَاصِيرَ…؟ مَنْ يُحَطِّمُ الأَسْوَارَ وَيَتَسَلَّقُ نَحْوَ عَرْشِ الذُّرَى؟ مَنْ يُمَزِّقُ السَّتَائِرَ المُظْلِمَةَ وَيَتَسَلَّلُ بِهُدُوءٍ مَعَ الدَّمِ إِلَى سُوَيْدَاءِ القَلْبِ؟ مَنْ يَتْرُكُ الأَقْنِعَةَ تَذُوبُ عَلَى الأَرْضِ، وَلَا يَبْقَى لَهَا أَثَرٌ إِلَّا فِي ذَاكِرَةِ الزَّمَنِ؟ مَنْ يَحْمِلُ الشَّمْسَ بِيَدٍ وَالقَمَرَ بِيَدٍ أُخْرَى، وَيُهْدِيهِمَا كَبَاقَةِ وَرْدٍ لِلْحَبِيبَةِ… لِلْأَرْضِ… لِلْإِنْسَانِ… لِلْجَمَالِ… لِلْحَيَاةِ؟ مَنْ يَجْعَلُ عَشَرَاتِ الآهَاتِ تَتَمَرَّدُ فِي كَأْسِ الأَلَمِ…؟ مَنْ يُقَرِّبُ النَّائِيَ فِي الشُّعُورِ… تَحْتَ ظِلَالِ الرُّوحِ؟ مَنْ يُطَوِّقُ الجَبَلَ، النَّهْرَ، البَحْرَ، السَّمَاءَ، القَمَرَ… كَأَبٍ حَنُونٍ… يَجْمَعُ أَشْتَاتَهُ؟ إِنَّهُ قَدَرُ «الإِنْسَانِ» بِصُورَةٍ عَامَّةٍ، وَقَدَرُ «الشَّاعِرِ» بِصُورَةٍ خَاصَّةٍ.
هٰذَا العَاشِقُ… عَاشِقُ المَرْأَةِ، الأَرْضِ، الخَيْرِ، السَّلَامِ، تَأْثِيرُهُ عَلَى العَالَمِ يَتَجَلَّى فِي قَضِيَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ الَّتِي يَسْعَى لِإِيصَالِهَا… يَتَحَمَّلُ بِصَبْرٍ كُلَّ مَا يَتَعَرَّضُ لَهُ مِنْ ضَبَابٍ وَخَرَابٍ، وَظُلْمٍ وَأَلَمٍ، وَوَهْمٍ وَسُقْمٍ… هَا هُوَ المُتَنَبِّي يَحْيَا بَيْنَنَا رَغْمَ مُرُورِ التَّارِيخِ… رُبَّمَا التَّارِيخُ يَفْنَى… وَيَبْقَى المُتَنَبِّي بِكِبْرِيَاءٍ وَعُنْفُوَانٍ… حَدَثًا شِعْرِيًّا غَيْرَ قَابِلٍ لِلْفَنَاءِ… هٰكَذَا الجَوَاهِرِيُّ، البُحْتُرِيُّ، أحمد شوقي، بدر شاكر السياب، بابا طاهر عريان، أحمد خاني، عبد الله كوران، وَغَيْرُهُمْ.
الحَدَثُ الَّذِي تَتَأَسَّفُ لَهُ دَائِمًا أَنَّ الأَدِيبَ لَا تُقَامُ لِأَدَبِهِ مَكَانَتُهُ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ!… تُحَاوِلُ إِيقَافَهُ، وَالتَّقْلِيلَ مِنْ إِبْدَاعِهِ، وَدَيْمُومَتِهِ، وَمِنْ عَطَائِهِ… الأَدِيبُ الأَصِيلُ الَّذِي تَتَعَمَّقُ جُذُورُهُ إِلَى أَبْعَدِ مَكَانٍ… لَا تَهُزُّهُ مِثْلُ هٰذِهِ العَوَاصِفِ الفَانِيَةِ… يَقُولُ أنسي الحاج: «عِنْدَ كُلِّ زِيَارَةِ شَاعِرٍ يَتَغَيَّرُ العَالَمُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا». مِنْ هُنَا نَدْنُو مِنْ قَصِيدَةِ الشَّاعِرِ « جَمَال بْرَواري » « أَيُّهَا الشَّاعِرُ ».
نَتَسَاءَلُ: لِمَ اتَّخَذَ الشَّاعِرُ الصَّمْتَ؟ صَمْتُ الشَّاعِرِ لَيْسَ كَكُلِّ صَمْتٍ، يَنْطَوِي فِي عَالَمٍ مَجْهُولٍ، مَا دَامَ هُوَ سَبَبَ هٰذَا التَّغْيِيرِ…؟ إِنِ اتَّخَذَ مَسَارًا جَدِيدًا… فَمَا هُوَ هٰذَا المَسَارُ الجَدِيدُ…؟
« أَيُّهَا الشَّاعِرُ
لِمَاذَا أَنْتَ لَا تَنْبِسُ بِبِنْتِ شَفَةٍ؟
أَيُّهَا العَاشِقُ الوَلْهَانُ
أَنَا أَعْلَمُ مَسَارَكَ الجَدِيدَ»
«أَيُّهَا الشَّاعِرُ، أَنَا أَعْلَمُ مَسَارَكَ الجَدِيدَ»… عَلَى مَنْ يَعُودُ «أَيُّهَا الشَّاعِرُ»؟ عَلَى كُلِّ الشُّعَرَاءِ أَمْ هُنَاكَ شَاعِرٌ مُعَيَّنٌ… يَخْتَصُّ بِهِ أَوْ يُشِيرُ إِلَيْهِ كَاتِبُ القَصِيدَةِ؟ لِمَ لَا يَكُونُ كَاتِبُ القَصِيدَةِ يَسْتَصْرِخُ الشَّاعِرَ الَّذِي يَمْكُثُ فِي دَاخِلِهِ… وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَسَارِهِ الجَدِيدِ، يَعْلَمُ بِهِ، لَكِنْ لَمْ يَنْجَلِ نَوْعُ أَوْ حَالَةُ المَسَارِ الجَدِيدِ…
مُمَيِّزَاتُ الشَّاعِرِ كَثِيرَةٌ، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّاعِرُ جَمَال بْرَوارِي… فِي قَصِيدَتِهِ مِنْ مِيزَةٍ وَصِفَةٍ… قَطْرَةٌ مِنْ بَحْرٍ: «يَا مَنْ جَعَلْتَ الكَلِمَةَ تَنْبِضُ بِالعِشْقِ وَالوِجْدَانِ»… رُبَّمَا تَكُونُ خَيْطًا لِمَا بَعْدَهَا… كَأَنَّهُ يُخْرِجُ الشَّاعِرَ مِنْ مَلَلِهِ… بِأَمْرِهِ… الأَمْرُ لَيْسَ طُغْيَانًا، وَلَا سُبَاتًا ظُلْمًا… بَلْ تَشْعُرُ فِي الكَلِمَةِ وَجَعًا، جُرْحًا بَلِيغًا عُمْقُهُ دُونَ نِهَايَةٍ: «قُمْ وَاصْرُخْ». هٰذَا الجُرْحُ رُوحِيٌّ، وِجْدَانِيٌّ… فَهُوَ لَا يَقْبَلُ بِالرُّضُوخِ لِلْيَأْسِ، لِلْمَلَلِ، لِلْوَهْنِ… لَا يَرْضَى بِهٰذَا الصَّمْتِ الَّذِي لَا يَشِعُّ مِنْهُ سِوَى ضَعْفِ الإِرَادَةِ، وَقِلَّةِ التَّحَمُّلِ، وَضِيقِ الصَّبْرِ… يُحَاوِلُ أَنْ يَسْتَجْمِعَ القُوَّةَ، وَيُقَرِّبَ الأَمَلَ… صَهِيلُ الصُّورَةِ: «قُلْ لِجَوَادِكَ… أَسْرِعْ»… هَلْ هُوَ جَوَادُ الشِّعْرِ، الشِّعْرِيَّةِ، وَوَقْعِ أَقْدَامِ الآلَامِ وَالجِرَاحَاتِ…؟ هٰذِهِ السُّرْعَةُ مَطْلُوبَةٌ حَقًّا، أَمْ قَافِلَةُ الأَحِبَّةِ… رَغْمًا عَنْهُ لِيَصِلَ القَافِلَةَ… قَافِلَةَ الشُّعَرَاءِ الَّذِينَ سَبَقُوهُ…
رَغْمَ أَنَّهُ يَنْسَى أَقْرَبَ النَّاسِ إِلَيْهِ «الحَبِيبَةَ»، لَا يَدْرِي هَلْ هِيَ مَيِّتَةٌ أَمْ لَا، بَعِيدَةٌ أَمْ قَرِيبَةٌ…؟ قَدْ يَكُونُ هٰذَا التَّجَاهُلُ غَفْوَةً رُوحِيَّةً فِكْرِيَّةً مِنْ خُطُوطِ زَمَنِ التَّرَدِّي، زَمَنِ الرَّغَبَاتِ وَالمَادِّيَّاتِ، زَمَنِ تَرَاجُعِ الإِنْسَانِيَّةِ إِلَى مَرْكَزِ الصِّفْرِ، أَوْ مَا قَبْلَ خَطِّ الشُّرُوعِ… زَمَنِ الـ«أَنَا»… السُّلَّمِ المَكْسُورِ. بَدَلًا مِنْ أَنْ يَتَصَدَّى، وَيَقِفَ قَوِيًّا أَمَامَ هٰذِهِ الدَّوَائِرِ المُتَقَلِّبَةِ، يَلُفُّ نَفْسَهُ بِسِتَارِ الصَّمْتِ، كَأَنَّهُ يَجِدُ مَلَاذَهُ الرُّوحِيَّ الفِكْرِيَّ، وَبِالصَّمْتِ أَيْضًا يَكُونُ الهُرُوبُ مِنَ الوَاقِعِ الَّذِي لَا يَرْضَى بِهِ… يَتَصَوَّرُ الصَّمْتَ حُلْمًا يَحْيَا فِي جَنَائِنِهِ… بَيْنَ أَنْهَارِهِ وَكُرُومِهِ… فَإِنْ كَانَ يَسْتَمِدُّ مِنْ صَمْتِهِ حُلْمًا يَأْوِي إِلَيْهِ كَمَا يُرِيدُ، فَالحُلْمُ قُوَّةٌ وَلَيْسَ عَجْزًا… رَبِيعٌ وَنُورٌ… لَيْسَ ظَلَامًا… يَقُولُ أرسطو: «الفَرْقُ بَيْنَ الحُلْمِ وَالعَجْزِ… أَنَّ الحُلْمَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ قُدْرَةٍ، وَالعَجْزَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ ضَعْفٍ». إِنَّ صَمْتَ الشَّاعِرِ مَجْهُولُ السَّبَبِ… لَكِنْ فِي طَلَاسِمِهِ تَكُونُ القُوَّةُ…
«قُمْ وَاصْرُخْ
قُلْ لِجَوَادِكَ
أَسْرِعْ
لَمْ تَمُتِ الحَبِيبَةُ
أَيُّهَا الشَّاعِرُ
لِمَاذَا أَنْتَ صَامِتٌ…؟»
كَيْفَ يَعُودُ الشَّاعِرُ إِلَى بَحْرِ الشِّعْرِ وَصَخَبِهِ؟ سَأَلْتُ ذَاتَ يَوْمٍ شَاعِرًا عَنْ انْقِطَاعِهِ بَعْدَ شُهْرَةٍ وَإِبْدَاعٍ، فَقَالَ: «إِنِّي أَكْتُبُ، لَكِنِّي أَحْتَفِظُ بِهَا لِنَفْسِي…». لِمَ يَحْتَفِظُ المُبْدِعُ بِإِبْدَاعِهِ عَنِ النَّاسِ؟ هَلْ هِيَ أَنَانِيَّةٌ… أَمْ خَوْفًا مِنْ إِبْدَاعِهِ، أَوْ أَلَّا يُقَيَّمَ بِصُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ؟ رُبَّمَا يَكُونُ ضَغْطُ الحَيَاةِ وَمَسْؤُولِيَّاتِهَا الَّتِي طَوَّقَتْهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، أَوْ يَكُونُ قَدْ لَمَسَهُ القَدَرُ النِّهَائِيُّ. مَهْمَا كَانَ الجَوَابُ، وَبَعِيدًا عَنِ القَدَرِ النِّهَائِيِّ… هَلْ يَحِقُّ لِلْأَدِيبِ المُبْدِعِ أَنْ يُخْفِيَ آثَارَهُ الَّتِي تُؤَثِّرُ فِي المُجْتَمَعِ، وَتَسْمُو بِهِ إِلَى سَبِيلٍ أَفْضَلَ؟ الكَثِيرُ مِنَ الأُدَبَاءِ، حَتَّى فِي أَيَّامِهِمُ الأَخِيرَةِ… كَانُوا يَحْمِلُونَ رُوحَ القَلَمِ بِيَدِهِمْ، رَغْمَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَشْعُرُونَ أَنَّ المَوْتَ قَرِيبٌ مِنْهُمْ. هٰذَا بِذَاتِهِ يُعْتَبَرُ تَحَدِّيًا وَإِصْرَارًا عَلَى العَطَاءِ، وَفَاءً لِلْحَيَاةِ، وَلِلْأَدَبِ، وَلِلْمُجْتَمَعِ. لَا بُدَّ مِنْ عَوْدَةِ الأَدِيبِ المُبْدِعِ إِلَى المُجْتَمَعِ، إِلَى الأَرْضِ الَّتِي مَدَّتْ جُذُورَهُ إِلَى الأَعْمَاقِ، إِلَى الحَيَاةِ الَّتِي جَعَلَتْ مِنْهُ مُبْدِعًا…
« عَادَتِ القَوَافِلُ
عَادَتِ الحَلَّابَاتُ
أَوَانِيهَا مَمْلُوءَةٌ
لِمَاذَا أَنْتَ صَامِتٌ؟
الرَّبِيعُ الَّذِي قَتَلَهُ الظَّمَأُ
أَيْنَعَ وَأَخْضَرَّ مِنْ جَدِيدٍ
نَرْجِسُ الوَادِي يَتَفَتَّحُ »
حَدَّثَ الشَّاعِرُ عَلَى نَسْجٍ جَدِيدٍ… خُيُوطُهُ مِنْ خُيُوطِ الشَّمْسِ… وَجَمَالُهُ مِنْ جَمَالِ القَمَرِ… أَلَّا يَدَعَ قَلَمَهُ فِي سُبَاتٍ عَمِيقٍ… أَنْ يَفْتَحَ أَوْرَاقَ قَلْبِهِ: «وَلْيَكُنْ حِبْرُ قَلَمِكَ دَمَ الفُؤَادِ». وَهِيَ صُورَةٌ شِعْرِيَّةٌ جَمِيلَةٌ مُعَبِّرَةٌ… فَالقَلْبُ يَنْبِضُ… لَا يَتَوَقَّفُ… وَوُقُوفُهُ تَوَقُّفُ الحَيَاةِ. اتِّصَالُ القَلَمِ بِالقَلْبِ، وَامْتِزَاجُ الحِبْرِ بِالدَّمِ… صُورَةٌ شِعْرِيَّةٌ رُوحِيَّةٌ أَصِيلَةٌ… عِنْدَمَا نَصِلُ إِلَى حَالَةِ النُّهُوضِ «انْهَضْ»، تَكُونُ بَيْنَ اخْتِيَارَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ النُّهُوضُ لِلَّذِي يَطْوِيهِ الكَرَى الجَالِسَ، أَوِ الَّذِي يَلُفُّهُ الصَّمْتُ، وَهُنَاكَ مَجَازَاتٌ كَثِيرَةٌ… أَوْ أَنْ يَكُونَ النُّهُوضُ لِلَّذِي طَوَاهُ الثَّرَى…؟ هَلِ النُّهُوضُ لِلْأَحْيَاءِ فَقَطْ؟ نُهُوضُهُ لَا يَعْنِي خُرُوجَهُ مِنْ مَثْوَاهُ… بَلْ هُوَ نُهُوضُ صَوْتِهِ «أَعْمَالِهِ» الَّذِي كَانَ يُمَزِّقُ آلَافَ الطُّبُولِ… وَهُوَ إِعَادَةُ الأَمَلِ لِلِاهْتِمَامِ بِأَعْمَالِ الأُدَبَاءِ الَّذِينَ رَحَلُوا عَنَّا وَتَرَكُوا آثَارًا عَظِيمَةً… وَهِيَ أَيْضًا صَرْخَةٌ بِوَجْهِ الشُّعَرَاءِ أَنْ يَكُونَ شِعْرُهُمْ ذَا تَأْثِيرٍ كَبِيرٍ، وَمُعَبِّرًا عَنْ رُوحِ المُجْتَمَعِ…
« أَيُّهَا الشَّاعِرُ
انْهَضْ وَلَا تُلَازِمْ مَرْقَدَكَ
فَإِنَّ نَبَرَاتِ صَوْتِكَ
تُمَزِّقُ آلَافَ الطُّبُولِ
وَتَصْعَدُ نَحْوَ الذُّرَى عَبْرَ السَّمَاءِ »
تَمَكَّنَ الأَدِيبُ جَمَال بْرَوَارِي مِنْ نَسْجِ صُورَةٍ شِعْرِيَّةٍ جَمِيلَةٍ بِخُيُوطٍ مِنْ إِحْسَاسٍ مُرْهَفٍ، مِنْ وَاقِعٍ لَا يَزَالُ مُحِيطًا بِنَا… قَدَرُ الشَّاعِرِ… هُوَ قَدَرُ الإِنْسَانِ… قَدَرُ المُجْتَمَعِ… قَدَرٌ لَا مَفَرَّ مِنْهُ، عَلَيْنَا أَنْ نَنْظُرَ إِلَيْهِ نَظْرَةَ حُبٍّ وَشَوْقٍ، مَهْمَا كَانَ مُؤْلِمًا. فَالأَمَلُ وَالأَلَمُ تَوْأَمَانِ.
٢٩/ أَيْلُول / ١٩٩٣

