ضحايا وشهداء وأسرى قرية كبرتو الأيزيدية – . سيروان سليم شرو

 

                   ((التضحية والذاكرة الجريحة))
تعتبر قرية كبرتو الأيزيدية نموذجاً حياً للصمود والتضحية، حيث دفع أهلوها أثماناً باهظة من دماء أبنائهم وحريتهم وأراضيهم عبر محطات التاريخ الحديث، وظلت القرية متمسكة بهويتها وأرضها رغم كل المحن والفواجع التي مرت بها.
ففي بدايات الستينات، وتحديداً في عام 1961 أو 1962، سجلت القرية اسم أول شهيد في تاريخها المعاصر وهو جندو علي خلف، الذي استشهد على يد مجموعة من العرب في منطقة قريبة من خرشنيا، ليكون بداية لسلسلة من التضحيات المستمرة. ومع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات، قدمت القرية ثلة من أبنائها شهداء في جبهات القتال، ومنهم الشهيد جندي مام بري والشهيد رزكان علو مراد.
وفي إطار النضال والتضحيات وضمن مسيرة الحركة التحررية الكوردية، قدمت القرية في عام 1982 ميلادي الشهيد البطل سيدو خلو، الذي نال شرف الشهادة في جبل ستيكان مدافعاً عن قضية شعبه ووطنه ليبقى اسمه محفوراً بمداد من نور في سجل الخالدين.
وفي إطار الممارسات القمعية التي تعرضت لها القرية، شهد عام 1984 ميلادي فاجعة قاسية هزت الوجدان، تمثلت في إعدام شابين من خيرة أبناء القرية رمياً بالرصاص من قبل نظام حزب البعث بتهمة الالتحاق والتعاون مع قوات البيشمركة، وهما الشابان إيزدين شمو داود وأوسو قاسم؛ حيث نفذ الحكم الجائر أمام أعين أهالي القرية لترهيبهم، ولم يكتف النظام بذلك بل أجبر ذويهم على دفع ثمن الرصاصات التي سلبت بها حياة ابنيهما، في حادثة ظلت جرحاً غائراً في ذاكرة القرية التي أعلنت الحداد عليهم مدة أربعين يوماً تضامناً مع عوائلهم.
ولم تقف تضحيات القرية عند الشهادة بل امتدت لتشمل لوعة الأسر والفقدان، حيث غيب الأسر في تلك الحرب ولمدة زادت على ثمانية سنوات ثمانية من رجال القرية الأشداء وهم: كيتر مام كجو هسام، وحجي مام قاسم كلو، وپير مراد پير شرو، وخدر مام سمايل، وجميل كلي، وخيري شيخالي، وآودي برو، وإسماعيل خمو، والذين تجرعوا مرارة الغرفة والسجون، في حين لا يزال جرح المفقودين نازفاً حتى اليوم بانتظار معرفة مصير المفقودين سليم علي وخيرو خمو.
ومع إشراقة ربيع عام 1991 واندلاع الانتفاضة المجيدة، قدمت كبرتو أربعة من خيرة شبابها في يوم واحد، حيث ذهبوا ضحايا لتلك الأحداث وهزت فاجعتهم وقتلهم كيان القرية بأكملها وهم: إيزدين علي، وشرو شمو، وجندي حسين.وعلي اسماعيل عيدو..ومن ثم قتل وليد زيدو علو لاحقا بدون وجه حق..ولم تسلم القرية من غدر الحرب الطائفية حتى في العاصمة بغداد، حيث استشهد هناك الشاب رشو قاسم كلو في عام 1995 ميلادي… ولاحقا ابن عمه شهيد جلال ابراهيم كورو عام 1995 م
وفي خضم هذه السيرة المثقلة بالآلام والمواقف، تبرز التضحية الشخصية لكاتب هذا التاريخ وموثق ذاكرة قرية كبرتو، الذي يحمل في جسده شاهداً حياً على جرح الانتفاضة نهاية عام 1991 ميلادي في گلي زاخو، حيث لا تزال يده اليمين معوقة جراء تلك الأحداث، ليكون قلمه الذي يكتب به اليوم هو نفسه السلاح الذي يرفض أن تنسى هذه التضحيات.
وللتاريخ والذاكرة، لا بد من الإشارة والإشادة بالموقف الوطني المشرف لرجال قرية كبرتو القديمة، الذين انخرطوا مبكراً في العمل النضالي وكانوا من ركائز تنظيمات الحزب الديمقراطي الكوردستاني خلال ثورة أيلول المجيدة؛ حيث ترك عدد منهم ديارهم والتحقوا بصفوف البيشمركة في الجبل وشاركوا ببسالة في العديد من معارك ثورة أيلول الخالدة دفاعاً عن قضيتهم، واهمها معركة مانكيش عام 1963 ومعركة ربية مرونة في عام 1967.واخرها معركة قشفرة..ومن هؤلاء الأبطال حجي خلو، وخديدا بسو، وعمر نمر، وحسو مراد، وهسن حسن، بالإضافة إلى آخرين غيبت أسماؤهم السنون ولم تسعفنا الذاكرة لتدوينهم لكن أفعالهم بقيت محفورة في وجدان القرية.
ولم تقتصر المعاناة في كبرتو على الأرواح بل طالت الأرض والرزق الذي عاشت عليه العوائل لقرون؛ فنصف أراضيها الزراعية الخصبة تم استقطاعها قسراً في زمن النظام السابق لتشييد معسكر فايدة عليها، أما النصف الآخر من الأراضي فكان مسجلاً قبل عام 1914 ميلادي باسم بكوات الموصل من بيت كتخودا بكر بك، منذ أن كانت الموصل ولاية تابعة للدولة العثمانية، حيث بقيت تلك الأراضي تابعة لهم بسندات فرضتها قوة القوي على الضعيف دون وجه حق. وما بعد انتفاضة آذار المجيدة، تكررت المأساة حين قام بيت بكر بك ببيع هذه الأرض لأحد التجار الكورد دون مراعاة لأصحاب الأرض الحقيقيين دون استشارة وجهاء وأهالي قرية كبرتو الذين بذلوا عرقهم ودماءهم في حراستها وسقايتها.
إن سيرة شهداء وأسرى ومفقودي كبرتو، مع قصة أرضها المسلوبة وتاريخ نضال رجالها في الجبال، تمثل ملحمة حقيقية تشهد على أن الشهادة والتضحية في هذه القرية لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل هي هوية وتاريخ محفور في ذاكرة الأرض والناس، يرفض النسيان ويبقى شاهداً على أصالة أهلها وصمودهم بوجه كل الظروف المتغيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *