عن كتاب الدكتور مسعود كتاني … رحمه الله (أصل الكورد وكوردستان – وأصالة اللغة الكوردية)

رأي الأستاذ ( مسعود ملّا محمد كويي)
في كتابه (لسان الكورد) … يشيرفي كتابه المذكور ، الى أنَّ كُتّابْ العرب وعلماءهم وأدباءهم والمؤرخون منهم ، لم يعيروا أهمية تٌذْكَرْ الى اللغة الكوردية، كمقارنة هذه اللغات واللغات الإيرانية من حيث تداخلها ، تفاعلها مع بعض ،بقدر ما إتجهوا الى العروبة والسياسة والثقافة الإسلامية العربية ووقفوا في حدود تلك الحضارة فقط ٠ ولم يمدوا أنامل الدراسة الفيلولوجية وسبر أصولها ٠ بل التطرق الى الى تداخل وإقتباس الكلمات من اللغات القديمة السامية ، الأكدية ، السومرية ، والبابلية والآشورية٠ وبقاء أصول لغات قديمة في اللغات المختلفة ٠ بينما أشار الى لغويين ومؤلفين ومؤرخين فرس أمثال (الدكتور بهرام فرەوش)، (الدكتور پرويز ناتل خانلرڕ) و (پوڕ داود) صاحب (فرهنگ إيران باستان) ، و (الدكتور محمد معين) في كتاب (فرديسا وأدب پارسي) وآخرون أجانب متحيزون للفرس ٠ لم يلقوا أي ضوء على حقيقة اللغة الكوردية من حيث (الأصالة والإستقلالية) بحيث بقيت اللغة الكوردية حقيقة على رفوف منسية٠ ومنهم من إدعى أنها مجرد لهجة لغوية ، ولم يتنبهوا الى ما أصاب هذه اللغة من النهب والضربات والعثرات التأريخية والضغط ومحاولة تفكيكها وطمس معالمها ، لكن الحقائق كانت أقوى من الأيام ، سرعان ما برهنت لغتنا على أصالتها وإستقلالها ٠ وأورد الأستاذ (مسعود ملّا محمد كويى) … أنَّ الشعوب التي سكنت خلف بحر قزوين في سهول آسيا نزحت نحو الغرب والجنوب، كفريقين إتخذتا إتجاهين مختلفين (قبل المسيح) بألف سنة، حسب رأي المؤرخين لهجرة الشعوب، وسميت بـ (الموجات القبائلية) التي نزحت بإتجاه الغرب بالقبائل (الهندية – الأوروبية) ، والتي إتجهت نحو الجنوب، بالقبائل (الهندو – إيرانية ) والتي سميت بـ (آري) ، (Arya)٠ ويستطرد أنَّ القبائل (الهندية – الأوروبية) كانت قبل إنقسامها تتكلم لغة قديمة موحدة بلهجات متقاربة تتطابق كثير من مفرداتها وتختلف البعض منها ، وبقيت الكثير من مفرداتها المتقاربة في اللغات (الهندو – أوروبية) كثيرة التقارب بعضها ببعض٠ فكلمة (ثري) في اللغة الآفستية بقيت مشابهة للغة الكردية (سى) والإنگليزية ( three) والألمانية (drei ) ، والفرنسية (trois) ، والإيطالية (tre) واللاتينية (tres) والأغريقية والسلافية متقاربة أيضاً٠ وكلمة العدد (إثنان) ، (دو) ، (du) باللغة الكردية هي zwei)) بالألمانية و (two) بالإنگليزية ، والكثير من المفردات المتشابهة ٠التقارب بين اللغة السنسكريتية ولغات الأقوام الإيرانية كانت أوضح في المراحل المبكرة لهجرة هذه الشعوب، وهذا التقارب محفوظ كخزين لغوي آرشيفي في كتاب (الفيدا Veda) الهندية وبعضاً في كثير من نصوص أقسام كتاب (الآفستا Avesta) والتي تسمى (Gatha) وبقيت محفوظة بصيغتها الأولى التي إستخدمتها تلك الشعوب في المراحل المبكرة من الهجرة والإنقسام٠
الفرق بين اللهجات اللغوية واللغة
إذا كانت اللغة (الهندو – أوروبية) من أكبر العوائل اللغوية، تنتمي اليها أكبر عدد من اللهجات فما هو الفرق بين اللغة واللهجة؟
اللهجات اللغوية أو اللهجات كما تعرف هي كاللغات تمتاز بوجودها على شكل منضومة من القواعد والمفردات والصيغ داخل أذهان الجماعة اللغوية، لإستخدام هذه اللهجات يمكن التعبير عنها بالمعاني نفسها التي تعبر عن اللغات واللهجات٠ أي اللهجات وفق تعريفها الألسنية وعلوم اللغة وقواعدها لاتختلف عن اللغات في صيغها وبناها الصوتي والصرفي والدلالي، التركيبي ،التداولي والثقافي٠ ونعني بذلك اللهجات يمكن إستخدامها كما تستخدم اللغات الأصلية، لأسباب وعوامل منها : العامل البيئي، الجغرافي ، الاجتماعي والسياسي، كلها تسهم في إحداث إختلاف في كثير من فروع اللغة الأصلية (اللهجات) والتي تؤدي الوظائف نفسها التي تؤديها اللغات كونها (وسيلة التواصل بين جماعة المتكلمين والجماعة اللغوية)٠ فإذا كانت اللغات تستخدم لنقل الأفكار فاللهجات تسهم بالمجال ذاته بإمتياز٠ واللهجات أساساً نظام لغوي تقوم وفق علاقات وترتيب خاص بحيث تكون قابلة لإستعمال الأصوات والصيغ ، والتراكيب وأساليب التعبير النحوية والمعجمية التي تمنحها كل لهجة من مخزونها اللغوي، مصدره لغة الأم التي تنتمي اليها أصلاً ٠اللهجات أنظمة خارجة عن نظام اللغة الأصلية ، كنوع من الخروج عن قواعدها المعيارية التي تتمسك بها اللغة الأصلية ( لغة الأم) ، وهذا الخروج يظفي الخصوصية على كل لهجة من اللهجات٠
فعندما نتحدث عن اللهجة الكرمانجية فهذا لايعني أنَّ (اللهجة الكرمانجية) تختلف جذرياً عن اللهجات الكوردية الأخرى كالكرمانجية الجنوبية أو الكرمانجية الوسطى، أو الدميلية (الزازائية) بمعنى أنَّ كل لهجة نظام خارج عن البنية العامة للغة وأنظمتها ، لكن هذا الخروج ليس كلي ، لانه لو كان كلي أو تام عن تلك القواعد المعيارية وعن تلك الصيغ والبنى والمستويات الصوتية والدلالية والتركيبية ، يعني ستكون لغة مستقلة بحد ذاتها عن اللغة الأصلية (الأم) ٠ ولكن مايجري في إطار اللهجات ، كل لهجة تختلف بنسب معينة مع اللهجات الأخرى من (شقيقاتها)، في اللغة التي تنتمي اليها هذه اللهجات٠ هذا الإشتراك بين اللهجات في لغة واحدة لاتعني أنَّ هذه اللهجات تفتقد الى الخصوصية من حيث السمات والظواهر الخاصة بها ٠
لقد تفرعت لهجات من اللغة الكوردية الآم كما ذكرنا ، (الكرمانجية الوسطى)، (الكرمانجية الجنوبية) ، (الديميلية – الزازائية) ، لكن بغياب اللغة الكوردية الموحدة يمكن للمتكلمين بلهجة من اللهجات المذكورة الإستعانة عند الضرورة بـ (الإقتراض اللهجي) أو (اللغوي) من اللهجات الأخرى عند الحاجة ، وهكذا يمكن تجاوز هذه الفجوة المعجمة الموجودة في لهجة معينة ما لزم من تعابير ومفردات وصيغ ٠ وهذه إحدى السبل لإغناء اللغة وإثراءئها بفضل الإقتراض والإنفتاح على اللهجات الشقيقة، قبل الإنفتاح على اللغات الأجنبية عن لغة الأم الأصلية والأساسية ، بسبب الإختلافات التي تواجهنا آنذاك مثل : الإختلاف البيئي، والإجتماعي، التوزيع الجغرافي، البيئة الثقافية ، كلها تسهم في توسيع فجوة الإختلاف بين اللهجات من حيث التنغيم والأداء الصوتي٠ هكذا يستنتج إنَّ اللهجات ثمرة طبيعية منبثقة عن توزيع لغة الأم على محورين وهما :-
المحور العمودي
ويقصد به المكان ، حيث تتوزع لغة الأم على مساحة جغرافية واسعة ، وتنقسم اللغة الى لهجات حيث يسهم العامل الجغرافي والعامل البيئي أيضاً في تقسيم اللهجة الى فروع اللهجات٠ على سبيل المثال … اللهجة الكرمانجية في منطقة عقرة أو برواري بالا أو عمادية قد تختلف إختلاف طفيف عن كرمانجية دهوك أو كومباني أو الجزيرة أو نصيبين وديرسم … الخ ٠اذن التوسع الجغرافي العمودي هو محور أساسي في توزيع اللهجات٠
المحور الأفقي
المقصود به (سيرورة) اللغة وفق مراحل تأريخية طويلة و يعني ، إمتداد اللغة وتحرك اللغة تبعاً لعملية ممارسة اللغة ضمن سياق زمني يؤثر في اللغة ، للتوضيح أكثر السيرورة تعني (سلسلة من الخطوات المتتالية أو الإمتداد والتطور التدريجي لحالة معينة نحو تحقيق الهدف وهي مشتقة من الفعل سارَ الذي يستخدم لوصف التحول المستمر الذي يعزز دلالة االتقدم خلال الحركة المتتالية من سارَ) أي إنَّ لغة الأم عندما تأخذ مفردة من هنا وهناك ضمن بيئة معينة وسياق إجتماعي ، فهذا يعني أنَّ المحور الزمني قد أثر في هذه اللغة وأسهم في تقسيمها الى لهجات ٠ لذا يجب التعرف والنظر الى اللغة خلال مجموع اللهجات التي تتضمنها٠

