ليس أخطر ما في السياسة الأمريكية أنها تغيّر أولوياتها ، فالمصالح تتبدل وتتحرك بطبيعتها . الأخطر أنها تنجح أحياناً في إقناع حلفائها بأن شيئاً لم يتغير ، بينما تكون الوقائع على الأرض قد سبقت التصريحات بسنوات .
وفي الشرق الأوسط ، لا يخشى الكرد كثيراً من الخصوم المعلنين . فهؤلاء على الأقل يتحدثون بوضوح ولا يتركون مساحة كبيرة للأوهام .
أما القلق الحقيقي فيبدأ عندما يصبح الفرق بين الحليف والخصم مسألة تحتاج إلى قراءة متأنية للتصريحات، ومراجعة دقيقة للسياسات ، ومقارنة شاقة بين الوعود والنتائج .
ومن هنا لا تبدو النقاشات الدائرة حول بعض الشخصيات الدبلوماسية الأمريكية قضية أشخاص بقدر ما تعكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة النظرة الأمريكية إلى القضية الكردية نفسها .
فالأسماء تتغير ، والإدارات تتبدل ، والمبعوثون يتعاقبون ، لكن السؤال يبقى ثابتاً :
لماذا تتكرر الشكوك الكردية كلما ظهر مسؤول أمريكي جديد يحمل الملف نفسه ؟
قد يكون الجواب بسيطاً إلى حد الإحراج .
فالمشكلة ليست في الأسماء ،
بل في النتائج .
الكرد ، كغيرهم من شعوب المنطقة ، لا يملكون وسيلة لقياس النوايا السياسية .
لا أحد يستطيع أن يدخل إلى عقل مسؤول أمريكي ليعرف ما الذي يفكر به حقاً .
لكن الجميع يستطيع أن يرى اتجاه السياسات ، وأن يقرأ الخرائط ،
وأن يراقب المستفيد والخاسر من كل مقاربة جديدة .
والسياسة ، في نهاية المطاف ، تُقاس بنتائجها لا بالنوايا التي تُقال عنها .
ولعل ما يزيد من حساسية الكرد تجاه هذه الملفات هو أن ذاكرتهم السياسية ليست ابنة الأمس . فالشعب الذي عاش قرناً من الوعود المؤجلة والاتفاقيات المنقوصة والتحالفات العابرة لا يتعامل مع الأحداث بوصفها صفحات منفصلة ، بل يراها فصولاً متصلة من كتاب واحد .
ولهذا فإن أي حديث عن الثقة لا يبدأ من الحاضر فقط ، بل يمر عبر أرشيف طويل من التجارب التي جعلت الكرد أكثر حذراً من التصفيق للوعود ، وأكثر ميلاً إلى انتظار النتائج .
وربما هنا تكمن المفارقة الساخرة .
فالولايات المتحدة تطلب من الكرد باستمرار أن يكونوا واقعيين في فهم المصالح الدولية ، لكنها تبدو مندهشة كلما أصبح الكرد واقعيين في تقييم السياسة الأمريكية نفسها .
تطلب منهم أن يتفهموا تعقيدات المنطقة .
وهم يتفهمونها .
وتطلب منهم أن يراعوا حسابات الحلفاء .
وهم يفعلون .
وتطلب منهم أن يتحلوا بالصبر .
وقد فعلوا ذلك لعقود .
لكنها تتفاجأ عندما يسألون عن حصتهم من هذا الصبر الطويل .
في كل أزمة جديدة يُقال للكرد إن الظروف استثنائية .
وفي كل مرحلة انتقالية يُطلب منهم الانتظار .
وفي كل تفاهم إقليمي يصبح مطلوباً منهم تقديم المزيد من المرونة .
حتى ليبدو الأمر أحياناً وكأن السياسة الأمريكية اكتشفت مصدراً لا ينضب للتنازلات اسمه “الصبر الكردي”.
أما الحقوق ،
فتُرحّل دائماً إلى موعد لاحق.
ومع ذلك ، تستمر واشنطن في التساؤل عن أسباب تراجع الثقة .
والأكثر إثارة للانتباه أن بعض دوائر القرار الأمريكية ما زالت تنظر إلى استقرار الشرق الأوسط من نافذة ضيقة ترى فيها طمأنة بعض القوى الإقليمية شرطاً مسبقاً لأي حل ، حتى لو جاء ذلك على حساب طرف أثبت مراراً أنه شريك فعلي في محاربة الإرهاب وحفظ التوازنات المحلية .
وهنا يبرز السؤال الذي لا يتعلق بمسؤول بعينه ولا بإدارة بعينها :
هل المشكلة في الأشخاص أم في العقل السياسي الذي ينتج المقاربة نفسها مرة بعد أخرى ؟
فكلما اعتقد الكرد أنهم انتقلوا من خانة الأدوات المؤقتة إلى خانة الشركاء الدائمين ، أعادتهم بعض السياسات إلى نقطة البداية .
وكلما قيل لهم إن المرحلة الجديدة مختلفة ، اكتشفوا أن الاختلاف يطال العناوين أكثر مما يطال المضمون .
ولهذا لم تعد القضية الكردية اختباراً للكرد فقط ،
بل أصبحت اختباراً لمصداقية السياسة الأمريكية نفسها .
فأي قوة أو شعب أو حليف محتمل يراقب التجربة الكردية لا بد أن يطرح سؤالاً مشروعاً :
إذا كان هذا هو مصير شركاء قاتلوا إلى جانب الولايات المتحدة وقدّموا تضحيات جسيمة دفاعاً عن أهداف مشتركة ، فكيف يمكن بناء ثقة طويلة الأمد مع أي طرف آخر ؟
هنا تتحول المسألة من قضية كردية إلى قضية تتعلق بمفهوم الشراكة ذاته .
فالحليف الحقيقي لا يُقاس بما يقوله في أوقات الحاجة فقط ، بل بما يفعله عندما تتعارض المبادئ مع المصالح الآنية .
ولا يبدو أن أزمة الثقة الحالية جاءت من فراغ ، ولا أنها نتاج سوء فهم عابر ، بل هي حصيلة تراكم طويل من التجارب التي جعلت كثيرين يتعاملون مع التصريحات الأمريكية بحذر أكبر مما يتعاملون به مع الوقائع نفسها .
وفي النهاية ، قد تتغير الإدارات ، وتتبدل الوجوه ، وتتقاعد الشخصيات السياسية والدبلوماسية ، لكن المشكلة ستبقى قائمة ما دامت الأسئلة نفسها تُطرح في كل مرة .
المشكلة ليست أن الكرد ما زالوا يطرقون باب واشنطن .
بل المشكلة أن واشنطن ما زالت تتساءل ، بعد كل هذه العقود ، لماذا لم يعد الطارق يثق بالباب كما كان يفعل سابقاً .
بعد سنوات طويلة من التحالفات والوعود والتفاهمات ، لم يعد السؤال الكردي موجهاً إلى الولايات المتحدة :
ماذا ستفعلون ؟
بل أصبح سؤالاً أبسط وأكثر إرباكاً :
لماذا تتفاجؤون في كل مرة عندما نتذكر ما فعلتموه سابقاً ؟
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

