14-7-2026إقليم كوردستان
ولا يقصد بمصطلحي “الفاسد” و”الأفسد” هنا إصدار حكم أخلاقي مجرد، وإنما توصيف لطبيعة الصراع داخل منظومة السلطة؛ فالفاسد هو الطرف الذي يمتلك منظومة الفساد القائمة ويديرها ويستفيد من استمرارها، بينما الأفسد هو الطرف الذي يتحداه، لا لأنه يرفض الفساد أو يسعى إلى بناء منظومة حكم أكثر نزاهة، بل لأنه يريد انتزاع السيطرة على هذه المنظومة وإعادة توظيفها لخدمة مصالحه، ومن هنا جاء تقديم الأفسد على الفاسد في عنوان المقال، لأن المبادرة في هذا الصراع تصدر من الطرف الساعي إلى وراثة منظومة الفساد، لا إلى القضاء عليها.
لقد تجاوز الفساد في اقليم كوردستان كونه سلوكا فرديا أو تجاوزا إداريا يمكن معالجته بإجراءات قانونية محدودة، ليتحول إلى منظومة متشابكة تتداخل فيها المصالح السياسية والاقتصادية والإدارية؛ وفي ظل هذه المنظومة، لا يعود استمرار الفساد مرتبطا بالأشخاص وحدهم، بل بالآليات التي تضمن استدامته، فتحل الولاءات السياسية محل الكفاءة، وتتحول الوظيفة العامة إلى وسيلة لتعزيز النفوذ، ويغدو الاقتصاد امتدادا للصراع السياسي، بينما تتحول المؤسسات من أدوات لخدمة المجتمع إلى أدوات لحماية مراكز القوة.
إن أخطر ما يواجه المجتمع ليس وجود سلطة فاسدة فحسب، بل تحول المعارضة السياسية إلى معارضة على إدارة الفساد لا على إنهائه؛ ويعود ذلك إلى أن الوصول إلى السلطة في ظل منظومة ريعية لا يعني امتلاك القرار السياسي فقط، بل السيطرة على الموارد العامة، والتعيينات، والعقود، وشبكات المصالح؛ وعندئذ يصبح التنافس السياسي في جوهره تنافسا على أدوات النفوذ، لا على إصلاح قواعد الحكم.
وحين يتقدم الأفسد – الحاكم والمحكوم عليه- لتحدي الفاسد، فإننا لا نكون أمام مشروع إصلاحي أو مراجعة حقيقية، بل أمام محاولة للاستحواذ على المنظومة القائمة؛ فالأفسد لا ينظر إلى الفساد بوصفه انحرافا ينبغي إنهاؤه، وإنما يعده موردا سياسيا – صراعا حزبيا – واقتصاديا يسعى إلى احتكاره؛ وهنا يتحول السؤال من: كيف تبنى المؤسسات؟ إلى سؤال أكثر خطورة: من يسيطر على أدوات النفوذ ويوزع منافعها؟ وعند هذه النقطة تصبح المنافسة صراعا على إدارة المنظومة، لا على تفكيكها.
وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها تدفع المجتمع تدريجيا إلى التكيف مع الفساد بدل مقاومته – كما قلنا في مقالات سابقة -؛ فعندما ترتبط فرص العمل بالولاءات، والخدمات بالنفوذ، والعقود بالمحسوبية، يصبح الفساد ممارسة يومية مألوفة، وتتحول النزاهة والكفاءة إلى استثناء؛ وعندئذ لا يعود تغيير الأشخاص كافيا، لأن القواعد الحاكمة نفسها تفرز الوجوه ذاتها، مهما اختلفت الشعارات أو تبدلت مواقع السلطة.
أما المواطن الكوردستاني، فيجد نفسه محاصرا بين أطراف لا تمثل مصالحه الحقيقية؛ فالفاسد يسعى إلى الحفاظ على احتكاره للسلطة والنفوذ، بينما يعمل الأفسد على انتزاع هذا الاحتكار، لا لإنهائه، وإنما لإعادة توظيفه تحت قيادته، حتى لو اقتضى ذلك التحالف مع فاسد آخر؛ والنتيجة ليست مجرد خسائر مالية، بل أزمات متراكمة تطال الاقتصاد والخدمات والتعليم والصحة وفرص العمل، فضلا عن تراجع الثقة بالمؤسسات العامة، واتساع الشعور بانسداد الأفق السياس؛ وغياب القضية.
ولا تتوقف آثار هذه المنظومة عند الجوانب الاقتصادية والإدارية، بل تمتد إلى المجال الإعلامي أيضا؛ إذ تسهم بعض وسائل الإعلام المرتبطة بمراكز النفوذ في تصوير هذا الصراع على أنه تنافس سياسي طبيعي، بينما يدور في الواقع داخل الإطار ذاته الذي أنتج الأزمة؛ وهكذا يصبح تغيير الوجوه بديلا عن تغيير القواعد، ويطلب من المواطن أن يختار بين أطراف تختلف في مواقعها داخل المنظومة، لكنها لا تختلف في طبيعة علاقتها بالفساد.
كما تنعكس هذه الحالة على البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع؛ فحين يفقد المواطن ثقته بإمكان الإصلاح، يترسخ الإحباط، وتتزايد الهجرة، ويضعف الانتماء إلى المجال العام، ويتراجع الإيمان بقيمة المشاركة السياسية؛ والأخطر من ذلك أن استمرار هذه البيئة يؤدي إلى تشويه منظومة القيم، بحيث تصبح المحسوبية والواسطة والنفوذ وسائل طبيعية لتحقيق النجاح، بينما تبدو النزاهة والكفاءة خيارات غير مجدية في نظر كثيرين.
ومن منظور تاريخي، لا تعد هذه الظاهرة استثناء في تجارب الدول والمجتمعات، فقد شهد التاريخ نماذج عديدة انتقلت فيها السلطة بين شبكات فساد متنافسة، فتغيرت الوجوه والشعارات، بينما بقيت القواعد التي تحكم إدارة السلطة والمصالح على حالها؛ ولهذا فإن الاقتصار على تغيير الأشخاص، من دون إصلاح المؤسسات والقوانين، لا يؤدي إلا إلى استمرار الأزمة في صورة جديدة.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في الصراع بين الأفسد والفاسد، وإنما بين المجتمع ومنظومة الفساد التي تحاول احتكار المجالين السياسي والاقتصادي، فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتبديل الأشخاص داخل السلطة، وإنما بتغيير القواعد التي تسمح باستمرار الفساد، عبر بناء مؤسسات مستقلة، وترسيخ سيادة القانون، وضمان استقلال القضاء، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وإخضاع الجميع لمبدأ المساواة أمام القانون وإقرار الدستور الخاص بالاقليم بعيدا عن الصراعات الحزبية المقيتة.
وفي هذا السياق، تتحمل النخب الفكرية والثقافية في كوردستان مسؤولية خاصة، لأن دورها لا يقتصر على توصيف الأزمة أو نقدها، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك الخطابات التي تشرعن استمرارها، وكشف الفارق بين معارضة تسعى إلى الإصلاح، وأخرى لا تهدف إلا إلى وراثة السلطة وآلياتها؛ كما يقع على عاتقها تقديم رؤى فكرية تساعد المجتمع على تجاوز منطق الاختيار بين الفاسد والأفسد والكف عن صناعة الدكتاتورية بتمجيد الشخصيات، لأن صمت المثقف أمام استمرار هذه المنظومة يمنحها شرعية ضمنية، بينما يسهم النقد الواعي القائم على التحليل في بناء وعي مجتمعي أكثر قدرة على مقاومة هذا الواقع.
ورغم قتامة المشهد، فإن التاريخ يؤكد أن المجتمعات ليست محكومة بالبقاء داخل الأزمات إلى الأبد، فقد استطاعت شعوب عديدة كسر دوائر الفساد عندما أدركت أن المشكلة الحقيقية تكمن في بنية السلطة وآليات عملها، لا في الأشخاص وحدهم؛ ولذلك فإن مستقبل كوردستان يبقى مرهونا بقدرة المجتمع على رفض المعادلات المفروضة عليه، والإصرار على بناء اقليم ومؤسسات تقوم على المواطنة، وسيادة القانون، والعدالة، وتكافؤ الفرص

