(سِرّ الفراشة البيضاء ) – رواية واقعية حول كارثة حلبجة- – تأليف: فرياد إبراهيم

 

الفصل 2

————————————-

ملاحظة سبق ان نشرت الفصل الاول على هذا الموقع قي يونيو 2022 يرجى الانتباه رجاء

—————————————-

الدخان يتصاعد من كل مكان وخاصة على قمم  والتلال. كان الاهالي يحتفلون بعيد نوروز، العيد القومي للشعب الكوردي وذلك عن طريق اشعال النار في الأماكن البارزة العالية وسط الاغاني والموسيقى وصوت الطبل والمزمار. الاحتفال واجب قومي حتى في ايام الحرب والمآسي. الدخان يلف كل الارجاء حتى فناء المنزل الذي دخلوا اليه. أحست الأم  براحة. لم يجذبوا انتباه أحد في الطريق. “غريب في بيتي؟ّ يا ويلي! ماذا سيقولون؟!”

أجال ببصره حواليه.  برميلان للنفط . معزتان ترعيان تحت شجرة التوت. وكر دجاج صغير في الزاوية. بيت مصنوع من بلوكات من السمنت . سطح مستوي مسطح مغطى باخشاب واغصان ومطلي بطبقة سميكة من الطين الاحمر. غرفتان صغيرتان متقابلتان. وغرفة واحدة فوق. هذا كل ما استطاع ملاحظته لحظة دخوله.

 اجلستنه في الغرفة على اليمين على حشية مفروشة على الارض. وبلا إذن مسبق هرعت الطفلة إليه ووضعت رأسها على فخذه ، وجديلتاها العاجيتان ترسلان لمعانا متحركا في ضوء الشمس المتسللة من خلال النافذة. بدأت تتأمل وجهه من تحت بفضول وفخر وفرح. ” اخيرا عاد بابا.”  خاطبت امها التي قدمت نفسها إليه بريبة ومسحة من الوجوم تكسو وجهها الشاحب.

” اسمي زينب معلمة مدرسة وهذه ابنتي مريم.”

  انتفضت مريم بعصبية ورفعت عينين حانقتين الى امها تشكو مغمغمة. ” أخخخ امي ..هل هناك ام تقدم نفسها وابنتها الى رب الاسرة؟!”  تعابير وجهها نمت عن الامتعاض والشعور بخيبة خفية ورجاء وهي تشبك يديها الصغيرتين على بطنها وعيناها على فم امها تنظر اليها بترقب. تملكها هاجس وتريد ان تطرده من ذاكرتها الفتية. واكدت بالقول متلذذة بكل حرف نطقته: “بابا رشيد انت، الست كذلك؟”  ولم تنتظر منه جوابا وأحاطت ذراعيها حول عنقه. بدأ الشاب يفقد اعصابه:  أي ورطة؟ أي حل ؟ ماذا افعل؟ إحتار بين الحقيقة والأمل الذي شعّ فجأة  من قلب طفلة لرؤية والدها. ثم اخذ يتسائل بصوت مسموع منفعل: ” ما الأمر؟ ماذا يحدث هنا؟”  ورفع رأسه الى سيدة البيت والتي اغاثته بالقول:” العفو وكما ترى يبدو انه هناك إلتباس في الأمر، ولكن قبل ان اقول اي شئ هلا تفضلت معي وتحلف بالمصحف الكريم أنك لست…”

 لم تنطق بالاسم (رشيد)، لم تجرأ وبدلا انتقلت عيناها الحزينتين الى طفلتها. كانت الإشارة مفهومة وواضحة للزائر الغريب الذي آثر السكوت لعل الغبار ينجلي ولو بعد حين.

في عينيها حزن عميق. ونحافتها وشحوب وجهها وسعة عينيها برزت عمق معاناتها. حزن قديم مزمن. قامة هيفاء وعيون سوداء وشعر حريري برّاق قصير يلتف حول عنقها العاجي كالطوق. لم يلمح اي أثر لخاتم زواج في اصبعها. استنادا الى اصرار الطفلة وملامحها المنشرحة في مقابل ملامح الام المنقبضة استنتج بأن هناك سوء تفاهم كبير بينهما. وان الأم عاجزة – ولو مؤقتا- من اتخاذ اي قرار وحكم بشأنه. ومن جهته رأى انه من الأفضل ترك الأمر للزمن، عسى ان تتوصل الام و ابنتها الى قرار موحد.

ولكنه استدرك فجأة وأزاح بتؤدة رأس الطفلة ونهض قائما بانفعال وكأنه تذكر للتو أمرا خطيرا، ثم وقف قبالة المرأة  ومال اليها منحنيا برأسه جهة اذنها اليمنى وقال لها في همس:”سيدتي، هناك أمر هام لابد أن اطلعك عليه فورا، يجب ان اغادر هذا المكان وبأقرب وقت.”

توسعت حدقتا المرأة وحدقت في عينيه المحمرتين المتعبتين الوجلتين ببصر نافذ ، تريد نبش الحقيقة في عينيه.

في تلك اللحظة  نهضت الطفلة وسارت صوب الباب. اوقفتها امها.

“الى اين أنت ذاهبة يا شقية؟

” اذهب الى  صافية لأخبرها بأن ابي هنا.”

“لا تفعلي.” نادتها الأم  بلهجة آمرة.

 تجمدت البنت لدى الباب، نظرت بخجل في وجه الغريب، تتأمله بعينين تشع منهما الرجاء والإشفاق والحرمان. وبغتة غمره احساس بأنها حقا ابنته. تمنى لو كان متزوجا وله طفلة بنفس المواصفات. دقات قلبه في تصاعد متواصل. اصاخ السمع . خيل إليه انه سمع قرعا خفيفا على الباب.  “انهم في كل مكان يرون كل شئ حتى البكتيريا بالعين المجردة.”  تمتم مع نفسه في هلع. الخوف شوّش بصره . وتمنى في تلك اللحظة لو ان الحرب قد انتهت وانه هنا في زيارة  ودية.

ظلت الطفلة واقفة . علاماتها المميزة: فستان ابيض طويل، ساقان طويلتان، جديلتان طويلتان فاحمتان تتدليان فوق ظهرها كنبات متسلق، أنف منحني قليلا من الوسط، شفتان رقيقتان واسنان متراصة صغيرة ناصعة كحبات اللؤلؤ، وجبين ناصع ضيق مختفي نصفه تحت الشعر الكثيف، وحاجبان سوداوان هلاليان. وتنتعل حذاء ورديا يعلوه الغبار.

تسرّبت رائحة دخان حادة مهيّجة الى منخريه آتية من اطارات السيارات المحروقة. خنق عطسة قبل ان تنفجر. الحرب غيرت طقوس الاحتفال. حتى الدخان لم يعد دخانا.

لا تزال الطفلة مريم تنتظر السماح والإذن من امها زينب. ولم يدم انتظارها إذ طمأنتها الأم باعذب الكلمات وأشارت اليها بحركة من يدها ادركت الطفلة ما يتوجب عليها فعله. ترجمت شفرتها: ” اذهبي والعبي مع صديقاتك ولكن إياك ان تخبري احدا بوجود هذا الرجل هنا.”

” رجل؟ هههه انه بابا رشيد.” ضحكت ضحكة ملائكية. ثم انطلقت خارجا تعدو كالبرق .

 

 

فرياد

يتبعه فصل 3*

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *