تحتل الشعارات والهتافات مكانة ثابتة في العمل السياسي ، ولا تكاد حركة سياسية أو اجتماعية تخلو منها .
فهي تختصر فكرة ، وتجمع الناس حول مطلب ، وتمنح الجمهور شعوراً بأن هناك هدفاً واضحاً يسيرون نحوه .
لذلك لا تكمن المشكلة في الشعار بحد ذاته ، وإنما تبدأ عندما يتحول الشعار من وسيلة للتعبير عن الهدف إلى بديل عن العمل من أجل تحقيقه .
في السياسة ، لا تُقاس قيمة المطالب بما تحمله من عدالة فقط ، وإنما أيضاً بقدرة أصحابها على تحويلها إلى واقع سياسي وقانوني .
وبين أن يكون لديك حق وأن تحصل عليه ، مسافة لا يقطعها الهتاف وحده ، مهما ارتفع صوته ، ولا الشعار مهما كان جميلاً ومقنعاً .
فكم من الشعارات حفظناها عن ظهر قلب ، وكم من العبارات الكبيرة رددناها في المناسبات والاحتفالات ،
وكم من الأهداف أصبحت جزءاً ثابتاً من قاموسنا السياسي ، حتى بات تكرارها أحياناً يبدو وكأنه إنجاز بحد ذاته .
لكن السؤال الذي لا يمكن الهروب منه :
ماذا تحقق منها على الأرض ؟
الحاجة لا تقضيها الكلمات ،
والطموح لا يتحول إلى إنجاز بمجرد تكراره .
وبين الشعار والنتيجة طريق طويل ، يحتاج إلى تنظيم ، وعمل ، وتضحيات ، وقراءة دقيقة للظروف ، وحسابات سياسية ، وتوازنات ، وتحالفات ، ومفاوضات ، وأحياناً إلى تنازلات محسوبة لا تعني بالضرورة التخلي عن الهدف .
السياسة ليست مسابقة في رفع سقف الخطاب ، ولا امتحاناً في البلاغة السياسية .
إنها بكل بساطة ، القدرة على تحويل الممكن إلى واقع ، واستثمار اللحظة السياسية قبل أن تنتهي ، وتحويل الفرصة إلى مكسب قابل للحماية والبناء عليه .
وهنا يصبح الفرق كبيراً بين من يمتلك حقاً ومن يعرف كيف يدير هذا الحق .
فالحق ، مهما كانت عدالته ، لا يتحول تلقائياً إلى قوة سياسية ، بل يحتاج إلى تنظيم يحمله ،
وقوة تفاوضية تدافع عنه ،
وقراءة للظرف الذي يمكن أن يُطرح فيه ، ومعرفة بما يمكن الحصول عليه الآن ، وما يمكن تأجيله إلى مرحلة لاحقة .
هذا لا يعني أن الواقعية السياسية هي التخلي عن القيم والمبادئ ، ولا أن المرونة تعني التنازل عن الحقوق .
على العكس ، قد تكون المرونة في بعض اللحظات هي الوسيلة الأكثر واقعية لحماية الحق ، وقد يكون قبول مكسب مرحلي هو الطريق الأقصر للوصول إلى مكسب أكبر .
المشكلة تبدأ عندما نتصور أن أمامنا خيارين فقط :
إما تحقيق كل ما نريد دفعة واحدة ، أو رفض كل ما هو أقل من ذلك .
السياسة لا تعمل بهذه الطريقة .
فقد يكون المكسب الصغير ، إذا أُحسن استثماره وحمايته قانونياً وسياسياً ، بداية لمكسب أكبر .
وقد تكون الخطوة المتواضعة في لحظة سياسية معينة أكثر قيمة من خطاب كبير ينتهي بانتهاء التصفيق .
وهنا تبدو التجربة الكردية والإدارة الذاتية مثالاً يستحق التوقف عنده .
خلال عقود طويلة ، رفع الكرد في روج آفا كردستان سوريا ، كما في أجزاء أخرى من كردستان ، شعارات ومطالب تتصل بالاعتراف بالهوية واللغة والحقوق الثقافية والسياسية ، والمشاركة في القرار ، والمساواة والعدالة .
هذه المطالب لم تكن شعارات فارغة ولا غوغائية ، بل ارتبطت بتاريخ طويل من الحرمان والتمييز والتضحيات ، ودفع الكرد ثمناً باهظاً من أجلها .
لهذا فإن النقاش لا ينبغي أن يبدأ بالسؤال :
هل كانت المطالب الكردية محقة ؟
فكثير من هذه المطالب لا تحتاج إلى كثير من الجهد لإثبات مشروعيتها .
السؤال الأصعب هو :
هل نجح الكرد دائماً في تحويل عدالة هذه المطالب إلى قوة سياسية قادرة على تحقيقها ؟
هنا تبدأ المشكلة الحقيقية .
قد نتفق جميعاً على الهدف ، لكننا نختلف على الطريق .
وقد نرفع سقف المطالب إلى أعلى مستوى ، ثم نعجز عن الاتفاق على الوسائل التي يمكن أن تقود إليها . وقد ننشغل أحياناً بالخلاف حول من يمثل القضية ، ومن يملك الصواب ، ومن كان أكثر التزاماً بالشعار ، بينما تتغير الظروف السياسية من حولنا .
في السياسة ، لا تكفي سلامة النوايا .
نحتاج إلى قراءة الواقع كما هو ،
لا كما نتمنى أن يكون .
نحتاج إلى معرفة ما نملك وما لا نملك ، ومن هم حلفاؤنا ،
ومن هم خصومنا ، وما الذي يمكن انتزاعه في هذه اللحظة ، وما الذي يحتاج إلى وقت وقوة وتراكم .
كما نحتاج إلى التمييز بين الهدف الاستراتيجي والمكسب المرحلي .
فليس كل ما يمكن تحقيقه اليوم هو نهاية الطريق ، كما أن رفض الممكن لأنه لا يحقق كل طموحاتنا قد يؤدي أحياناً إلى خسارة الممكن .
وهنا تحديداً تظهر أهمية السياسة بوصفها فن إدارة المراحل ،
وليس مجرد إعلان الأهداف .
فالشعار يمكن أن يكون البوصلة ، والهدف هو الوجهة ، لكن لا البوصلة توصلنا وحدها ، ولا معرفة الوجهة تكفي للوصول إليها .
نحتاج إلى الطريق .
والطريق يحتاج إلى قوة ،
وتنظيم ، ووحدة موقف عندما تكون الوحدة ضرورية ، ومرونة عندما تكون المرونة أكثر فائدة من الصلابة ، وقدرة على التفاوض دون التفريط بالثوابت ، وعلى قبول ما يمكن أن يشكل أساساً للخطوة التالية .
ربما تكون إحدى مشكلات العمل السياسي الكردي أننا نختلف أحياناً على الشعارات أكثر مما نختلف على كيفية تحقيقها .
نرفع السقف ، ثم نختلف حول الطريق المؤدي إليه .
ندخل في نقاشات طويلة حول المفردات ، ومن قال ماذا ،
ومن يملك الموقف الأكثر صواباً ، ثم تمر السنوات ونكتشف أن الشعار بقي في مكانه ، بينما تغيرت الظروف من حوله .
هذه ليست دعوة إلى خفض سقف الطموح ، ولا إلى التخلي عن الأهداف الكبرى .
على العكس .
الأهداف الكبرى تحتاج إلى سياسة أكثر واقعية ، لا إلى شعارات أكثر ارتفاعاً .
فإذا كان الهدف هو تحقيق حقوق دستورية وقانونية وسياسية ،
فلا بد من بناء الظروف التي تجعل هذه الحقوق قابلة للتحقق والحماية والاستمرار .
وإذا كان الهدف هو المشاركة في صناعة القرار ، فلا يكفي أن نطالب بمقعد على الطاولة ؛
علينا أن نمتلك من الأدوات السياسية ما يجعل حضورنا على تلك الطاولة مؤثراً .
وهنا ربما يجب أن نعيد ترتيب بعض أسئلتنا .
ليس السؤال فقط :
ماذا نريد ؟
فهذا نعرفه جيداً .
بل :
ماذا نستطيع أن نحقق الآن ؟
وماذا نحتاج كي نحقق ما لا نستطيع تحقيقه اليوم ؟
ومن أين نبدأ ؟
ومع من نتفاوض ؟
وما الثمن الذي نستطيع دفعه دون أن نخسر جوهر القضية ؟
هذه الأسئلة قد تكون أقل حماساً من الهتاف ، لكنها أقرب إلى صناعة السياسة .
فالشعوب لا تقاس فقط بما ترفع من رايات ، ولا بعدد الشعارات التي تحفظها أجيالها ، وإنما بما تستطيع أن تحوله من أحلام إلى حقوق ، ومن مطالب إلى مكتسبات ، ومن مكتسبات إلى واقع يحميه القانون والدستور والمؤسسات .
لذلك ربما لا تكون مشكلتنا في فائض الشعارات وحده .
فجعبتنا مليئة بالشعارات ؛
بعضها جميل ، وبعضها مؤدلج ، وبعضها كبير ، وبعضها يحمل تاريخاً طويلاً من التضحيات .
لكن السؤال الذي قد يكون أكثر قسوة من كل الأسئلة السابقة :
أين تُصرف هذه الشعارات ؟
الشعار ، مثل أي شيء آخر ، لا تكفي قيمته النظرية إذا لم نجد له مكاناً يتحول فيه إلى فعل .
قد يمنحنا الشعار الحماس ،
وقد يمنحنا الهدف الاتجاه ، لكن الذي يصنع الفرق في النهاية هو القدرة على تحويل الاثنين إلى سياسة ، والسياسة إلى فعل ، والفعل إلى نتيجة .
ربما لهذا السبب علينا ألا نسأل دائماً :
ماذا نقول ونكرر ؟
بل أن نسأل :
ماذا نستطيع أن نفعل؟
وكيف ؟
ومتى؟
ومع من ؟
وبأي ثمن ؟
فبين الشعار والإنجاز طريق طويل .
ومن يعرف كيف يسلكه قد يصل ، ومن يكتفي بترديد الشعار قد يبقى واقفاً في المكان نفسه ، حتى لو كان صوته أعلى من الجميع .
المهم ليس أن نمتلك شعارات كثيرة ،
بل أن نعرف كيف نصرفها بعد أن ينتهي التصفيق .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

