أربيل والقضية الكوردية… حين تنسحب المظلة وتبقى المسؤولية- نزار جاف

 

ليس من السهل أن تكون أربيل. فعاصمة إقليم كوردستان لا تعيش فقط تحت ثقل الجغرافيا العراقية وحسابات بغداد وأنقرة وطهران، وإنما تحمل، بحكم موقعها وتجربتها وتاريخها السياسي، جزءا من الذاكرة الثقيلة لشعب موزع بين أربع دول، ظل قرنا كاملا يبحث عن صيغة يحول من خلالها وجوده القومي من قضية معلقة في خرائط الآخرين الى حقيقة سياسية لا يمكن تجاوزها.

ولهذا فإن السؤال الذي يواجه أربيل اليوم لم يعد فقط: كيف تحمي الإقليم؟ بل أصبح أكثر إلحاحا: كيف تحافظ على مكانته وقوته وشرعيته في زمن تتغير فيه التحالفات وتنسحب فيه بعض المظلات الخارجية؟

لقد حققت كوردستان العراق إنجازا تاريخيا لا يمكن إنكاره. فمن شعب حرم من أبسط حقوقه السياسية والقومية، الى إقليم يمتلك مؤسسات وبرلمانا وحكومة وبيشمركة وعلاقات دولية واقتصادية واسعة، استطاعت أربيل أن تنتقل بالقضية الكوردية في العراق من حالة المطالبة والبحث عن الاعتراف الى تجربة سياسية قائمة بذاتها.

لكن الإنجاز الحقيقي لا يقاس فقط بما تم بناؤه في الظروف الصعبة، وإنما بقدرة أصحابه على حمايته عندما تتغير الظروف. فالمظلات الخارجية، مهما كانت قوية، لا يمكن أن تكون بديلا دائما عن بناء داخلي متماسك، قادر على الصمود عندما تتغير مصالح الدول.

وهنا تكتسب التطورات الأخيرة أهميتها. فإعادة ترتيب الوجود الأميركي وقوات التحالف في العراق، وما رافق ذلك من انتهاء أو تغير مهام بعض القوات الأجنبية، تعني أن مرحلة كاملة من الترتيبات الأمنية تقترب من نهايتها، حتى وإن استمر التعاون العسكري والأمني بصيغ أخرى.

وفي الوقت نفسه، تكشف التطورات في سوريا أن القوى الكوردية في المنطقة تدخل مرحلة جديدة، ستكون فيها التفاهمات السياسية والدبلوماسية، وبناء التوازنات، وامتلاك المؤسسات القادرة على الصمود، أكثر أهمية من الاعتماد على الحماية العسكرية الخارجية وحدها.

 

وهذه هي الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى أربيل: المظلة الأميركية يمكن أن تنسحب، لكن الفراغ الذي تتركه لا ينبغي أن يتحول إلى فراغ سياسي كوردي.

ذلك أن انتهاء مرحلة من الحماية الخارجية لا يعني انتهاء القدرة الكوردية على المبادرة، بل ينبغي أن يكون مناسبة للانتقال من عقلية الاتكال على المظلة الى عقلية بناء السقف الخاص بالتجربة.

ليس المطلوب من أربيل أن تصبح حكومة لكل كورد المنطقة، فهذا غير ممكن ولا مطلوب، ولا أن تدخل حروب الآخرين أو تصطدم بجيرانها نيابة عنهم. المطلوب أن تستخدم وزنها السياسي والدبلوماسي وخبرتها لتؤكد أن حقوق الكورد ليست ورقة موسمية تستدعى عند الأزمات ثم تنسى عندما تبدأ المفاوضات.

والقضية الكوردية، رغم اختلاف ظروفها بين بلد وآخر، تبقى في جوهرها قضية شعب يبحث عن الاعتراف بحقوقه وكرامته السياسية والثقافية. ومن هنا تستطيع أربيل أن تكون مساحة للحوار والتقارب وتبادل الخبرات، من دون أن تتحول إلى وصي على القوى الكوردية في البلدان الأخرى.

وتقدم سوريا المثال الأوضح. فإعادة ترتيب العلاقة بين دمشق والقوى الكوردية تفتح أسئلة تتجاوز السلاح والسيطرة على الأرض إلى شكل الدولة وطبيعة العقد السياسي وموقع الكورد في سوريا الجديدة.

وهنا تستطيع أربيل أن تلعب دورا مهما، ليس بالتدخل المباشر، وإنما بخبرتها وعلاقاتها الإقليمية والدولية، وبما راكمته من تجربة في الانتقال من المطالبة بالحقوق الى بناء المؤسسات.

كما تستطيع أن تساعد على تقريب المواقف الكوردية ومنع الخلافات الداخلية من التحول إلى ثغرات تستغلها القوى الإقليمية. فالتاريخ أثبت أن الكورد، عندما يختلفون، يصبح الآخرون أكثر قدرة على استخدام خلافاتهم ضدهم.

أما تركيا وإيران، فلا تستطيع أربيل تجاهل مصالحهما وحدودهما وعلاقاتهما الاقتصادية والأمنية، كما لا تستطيع التعامل معهما بمنطق المواجهة الدائمة. فالسياسة هي معرفة موازين القوة والمصالح واختيار الموقف الممكن.

لكن الواقعية السياسية لا تعني التخلي عن المبدأ، والدبلوماسية لا تعني أن تصبح القضية الكوردية رهينة للعقود التجارية أو الحسابات الأمنية. المطلوب هو علاقات متوازنة مع الجيران، من دون تحويل هذه العلاقات الى ثمن تدفعه القضية من رصيدها السياسي.

غير أن كل ذلك يبقى ناقصا إذا لم تبدأ أربيل من بيتها الداخلي.

فقوة القضية الكوردية في المنطقة لا يمكن أن تكون أكبر من قوة الإقليم السياسية والمؤسساتية. ولا يمكن لدبلوماسية فعالة أن تعوض انقساما كورديا مستداما، كما لا يمكن للبيشمركة وحدها أن تؤدي وظيفة الدولة الحديثة إذا بقيت الانقسامات الحزبية تلقي بظلالها على المؤسسات.

المرحلة المقبلة تحتاج الى ترسيخ مفهوم الدولة والمؤسسة والمصلحة العامة، بحيث يصبح الإقليم أقوى من الأحزاب، والمؤسسات أقوى من الأشخاص، والمصلحة العامة أوسع من الحسابات الحزبية.

وهنا تبرز قضية الفساد، ليس باعتبارها مادة للمزايدات السياسية، وإنما باعتبارها خطرا على مستقبل التجربة نفسها.

حيث إن الفساد لا يسرق المال العام فقط، بل يسرق الثقة أيضا. وحين يشعر المواطن بأن القانون لا يطبق على الجميع، وأن النفوذ يفتح أبوابا مغلقة أمام الآخرين، وأن الوظيفة العامة تتحول الى مكافأة حزبية، تبدأ الثقة بالتآكل.

وهذه أخطر نقطة يمكن أن تصل إليها أي تجربة سياسية؛ لأن الضغط الخارجي يمكن مقاومته، أما فقدان الثقة في الداخل فيمكن أن يحول نقاط الضعف الى أخطار استراتيجية.

لذلك فإن محاربة الفساد والمحسوبية وإساءة استخدام السلطة ليست ترفا إداريا، وإنما جزء من الأمن السياسي للإقليم. فالمجتمع الذي يشعر بالعدالة والمساواة وسيادة القانون يكون أكثر استعدادا للدفاع عن تجربته، لأن المواطن عندها يرى أن الدفاع عن الإقليم هو دفاع عن مستقبله، وليس دفاعا عن حزب أو حكومة.

ولهذا فإن تنظيف الداخل لا ينبغي أن يفهم باعتباره انتقادا للتجربة الكوردية أو تقليلا من إنجازاتها. بالعكس، التجربة التي تمتلك شجاعة مراجعة أخطائها تكون أقوى من تجربة تخشى الاعتراف بها.

فحماية الإنجاز لا تعني الدفاع عن كل ما يحدث داخله، وإنما تعني معرفة ما يجب الحفاظ عليه وما يجب إصلاحه.

ولعل أربيل تحتاج اليوم إلى إدراك أن أقوى مظلة يمكن أن تمتلكها ليست المظلة الأميركية ولا أي مظلة خارجية، وإنما مظلة الشعب نفسه.

فالولايات المتحدة قد تغير أولوياتها، والتحالفات قد تتبدل، والدول قد تعيد حساباتها، لكن المواطن الذي يشعر بأن تجربته تحترمه وتحمي حقوقه وتمنحه فرصة عادلة في الحياة والعمل سيكون الحصن الأكثر ثباتا.

ومن هنا فإن الوحدة الداخلية لا تعني توحيد الكورد في حزب واحد، فهذا غير ممكن ولا مطلوب، وإنما تعني الاتفاق على الحد الأدنى الذي يجب ألا يكون موضع خلاف: حماية الحقوق القومية، احترام التعددية، سيادة القانون، مكافحة الفساد، تقوية المؤسسات، ودعم الحلول السياسية.

فالاختلاف السياسي ليس مشكلة، بل يمكن أن يكون علامة صحة. المشكلة تبدأ حين يتحول الاختلاف الى قطيعة، والمنافسة الحزبية الى صراع على الدولة، والخلافات الى وسيلة تسمح للآخرين باختراق البيت الداخلي.

لقد اعتاد الكورد طويلا على انتظار اللحظة التي يأتي فيها الآخرون لمساعدتهم. وربما كان ذلك مفهوما في مراحل تاريخية كان فيها ميزان القوة مختلا بصورة ساحقة. لكن المرحلة المقبلة تبدو مختلفة.

ذلك أن القوى الكبرى تعيد حساباتها، وسوريا تعيد ترتيب بيتها، وتركيا وإيران تواصلان حساباتهما الخاصة، والعراق نفسه يعيش تحولات سياسية وأمنية واقتصادية متواصلة.

ولهذا ينبغي أن يتغير السؤال في أربيل من: من سيحمينا؟ إلى سؤال أكثر نضجا: كيف نجعل من قوتنا السياسية والمؤسساتية وثقة شعبنا سببا يجعل الآخرين يحسبون حسابنا حتى عندما لا تكون قواتهم على أرضنا؟

فأربيل لا تستطيع أن تكون عاصمة لكل الكورد، لكنها تستطيع أن تكون عاصمة سياسية لتجربة أثبتت أن الكورد قادرون على بناء ما عجزوا طويلا عن امتلاكه.

وتستطيع أن تحول الذاكرة القومية من جرح تاريخي الى مشروع سياسي، ومن الشعور بالاضطهاد الى بناء المؤسسات، ومن انتظار الآخرين الى امتلاك القدرة على التأثير.

لكن النموذج لا يحافظ على مكانته بمجرد امتلاك الإنجازات، وإنما بقدرته على حماية تلك الإنجازات من التآكل الداخلي.

وهنا تبدأ مسؤولية أربيل التاريخية. فهي ليست مسؤولة فقط عن حماية حدود الإقليم وإدارة علاقاته مع بغداد وأنقرة وطهران وواشنطن، وإنما عن حماية القيمة السياسية للتجربة الكوردية نفسها، وتحويل ما راكمته من أمن وعلاقات وخبرة ومؤسسات الى قوة سياسية ودبلوماسية قادرة على حماية المصالح.

فالشرعية الحقيقية لا تأتي فقط من الاعتراف الدولي، وإنما تبدأ من الداخل؛ من المواطن الذي يشعر بأن الدولة دولته، والمؤسسة مؤسسته، والقانون يحميه كما يحمي غيره، وأن المال العام ليس غنيمة، وأن السلطة ليست ملكا لأحد.

ولهذا تحتاج المرحلة الجديدة إلى شجاعة من نوع مختلف: شجاعة مواجهة الضغوط الخارجية، ومواجهة الذات في الوقت نفسه؛ شجاعة إصلاح ما يمكن إصلاحه، ومحاسبة من يسيء استخدام السلطة، ومحاربة الفساد بلا انتقائية، وتعزيز استقلال المؤسسات وتوسيع المشاركة السياسية.

فتنظيف الداخل ليس تنازلا عن القوة، وإنما بناء لها.

وحين يشعر المواطن بأن هناك دولة تحميه، ومؤسسات تحترمه، وقانونا لا يفرق بين قوي وضعيف، وحكومة تخضع للمساءلة، وحزبا لا يستطيع أن يكون فوق الدولة، تصبح حماية التجربة الكوردية قضية مجتمع بأكمله، لا قضية نخبة سياسية فقط.

ولذلك فإن الانسحاب الأميركي، مهما كانت تداعياته، ينبغي ألا ينظر إليه فقط باعتباره خسارة لمظلة أمنية، وإنما باعتباره فرصة لإعادة تعريف معنى القوة الكوردية.

ذلك أن القوة ليست في عدد الجنود الذين يقفون الى جانبك، وإنما في مجتمع يثق بتجربته، ومؤسسات تستطيع العمل من دون وصاية، واقتصاد قادر على الصمود، ونظام سياسي يستطيع إدارة الاختلاف، وعلاقات خارجية تقوم على المصالح المتوازنة.

إن القضية الكوردية لا تحتاج فقط الى من يدافع عنها أمام الآخرين، وإنما تحتاج أيضا الى من يحميها من نقاط ضعفها الداخلية. فالتاريخ علم الكورد أن الانقسام هو الثغرة التي يستطيع الخارج النفاذ منها.

وحين تنسحب المظلة، ستجد أربيل أن المسؤولية التي كانت تبدو مؤجلة أصبحت أمامها مباشرة: حماية التجربة من الداخل، وتحويل الثقة الشعبية الى قوة سياسية، والمؤسسات الى حصانة، والنزاهة الى جزء من الأمن القومي، والوحدة الى قدرة على الاختلاف من دون الانقسام.

فأربيل لا تستطيع منع العالم من تغيير حساباته، ولا تستطيع أن تطلب من القوى الكبرى البقاء الى الأبد تحت المظلة نفسها. لكنها تستطيع أن تجعل نفسها أكثر قدرة على التفاوض وأكثر صعوبة على العزلة، حين تجعل من قوة مؤسساتها ونظافة إدارتها وثقة شعبها بها أساسا لقوتها.

ولهذا فإن السؤال في المرحلة المقبلة لن يكون فقط: من سيقف إلى جانب أربيل؟

بل سيكون السؤال الأهم: هل تستطيع أربيل أن تقف على قدميها؟

إذا استطاعت، فلن تكون المظلة الخارجية قد اختفت تماما، حتى عندما تنسحب القوات وتتغير التحالفات، لأن المظلة الأهم ستبقى: شعب يرى أن تجربته تستحق الحماية، ومؤسسات يثق بها، وقضية يعرف أنها أكبر من حزب وأبقى من حكومة وأعمق من ظرف سياسي عابر.

فحين تنسحب المظلة، لا ينبغي أن تنسحب معها القضية؛ وحين تتغير الخرائط، لا ينبغي أن تضيع البوصلة؛ وحين تتراجع الحماية الخارجية، ينبغي أن تتقدم المسؤولية الداخلية.

لأن التجربة التي تريد أن تعيش طويلا لا يكفيها أن تكون محمية من الخارج، وإنما يجب أن تكون جديرة بالثقة من الداخل.

وحين يصبح الشعب هو السند الأول، والمؤسسات هي الحصن، والنزاهة قاعدة الحكم، والوحدة قدرة على الاختلاف دون الانقسام، عندها فقط تستطيع أربيل أن تقول:

إن المظلة ربما انسحبت، لكن التجربة لم تسقط، لأن جذورها أصبحت أعمق من أن تقتلعها رياح الخارج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *