حين يصمت السلاح وتتراجع الحماية- الدولية … ماذا بقى للكورد؟ – خليل كارده

 

يبدو أننا أمام مرحلة تاريخية جديدة في المنطقة والعالم, مرحلة تتراجع فيها لغة السلاح لمصلحة

السياسة والتفاوض وإعادة ترتيب المصالح. ولم تعد الحركات التي ترفع شعار الكفاح المسلح من أجل

الحرية وحقوق الشعوب تجد الدعم الدولي الذي كانت تراهن عليه في مراحل سابقة, ولا سيما في ظل

إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي تتعامل مع قضايا المنطقة بمنطق المصالح والصفقات أكثر

من تعاملها مع الشعارات والمبادئ.

والكورد الذين دفعوا أثماناً باهظة طوال عقود من تاريخهم, مطالبون اليوم بقراءة هذه التحولات

بواقعية, بعيداً عن العواطف والشعارات التي قد تكون جذابة في ظاهرها, لكنها لا تصنع وحدها سياسة

ناجحة ولا تحمي شعباً من الأخطار المحيطة به.

لقد شهدنا تحولاً مهماً في مسار حزب العمال الكوردستاني, بالاتجاه نحو إنهاء مرحلة الكفاح المسلح

والبحث عن طريق سياسي وسلمي لحل القضية الكوردية في تركيا. وكذلك نجد أن القوى الكوردية في

سوريا بقيادة مظلوم عبدي, تتجه بصورة متزايدة نحو التفاوض والاندماج في العملية السياسية السورية

ومحاولة تثبيت الحقوق الكوردية ضمن ترتيبات الدولة الجديدة.

وهذه التحولات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها هزيمة بالضرورة, بل ربما تكون قراءة لواقع دولي

وإقليمي جديد. فليس المهم أن تحمل السلاح إلى الأبد, وإنما المهم ماذا حقق هذا السلاح؟ ومتى يجب أن

تتحول مكاسبه إلى حقوق دستورية ومؤسسات سياسية وضمانات قانونية؟

هناك خطأ شائع ظل يتكرر في ثقافتنا السياسية في الشرق الأوسط, وهو الاعتقاد بأن الاعتدال السياسي

يعني التنازل, وأن التفاوض يعني الضعف, وأن من لا يرفع شعار( كل الحقوق أو لا شئ) يكون قد

فرّط بقضيته. لكن تجارب الشعوب تقول شيئاً آخر.

السياسة ليست الحصول على كل شئ دفعة واحدة. السياسة هي فن تحويل الممكن اليوم إلى قاعدة

للحصول على المزيد غداً, والحفاظ على ما تحقق بدلاً من خسارة كل شئ نتيجة سوء الحسابات.

والسؤال الأصعب هنا يتعلق بالكورد تحديداً. فمن هو نصير الكورد اليوم؟

أوروبا تحكمها مصالحها وأزماتها الداخلية,والولايات المتحدة في عهد ترامب لا تقدم للكورد شيكاً

مفتوحا,ودول الخليج تتحرك وفق حساباتها وتحالفاتها الإقليمية. أما الدول التي اقتسمت جغرافيا

كوردستان تاريخياً,فلكل منها حساباتها ومخاوفها من أي مشروع قومي كوردي يتجاوز الحدود القائمة.

في تركيا هناك القضية الكوردية القديمة والمعقدة, وفي إيران مازالت الحقوق القومية والسياسية للكورد

معلقة وسط صراع أكبر على مستقبل الدولة الإيرانية نفسها.وفي سوريا يخوض الكورد مرحلة شديدة

الحساسية للحفاظ على ما حققوه خلال سنوات الحرب,وسط ضغوط داخلية وإقليمية ودولية.

لهذا اعتقد أن المرحلة القادمة يجب أن يكون مرحلة العقل السياسي التفاوضي الكوردي.

إن القضية الكوردية لم تنته ولن تنتهي بمجرد تغير سياسة دولة كبرى أو تبدل إدارة أميركية. فهي

قضية شعب له أرض وهوية ولغة وتاريخ وحقوق مشروعة,لكن عدالة القضية وحدها لا تضمن

الانتصار فلا بد من حسن إدارة القضية أيضاً.

إذا كان العالم قد تغيّر فعلينا أن نغير أدواتنا من دون أن نتخلى عن حقوقنا. وإذا كان زمن البندقية

يتراجع فليبدأ زمن السياسة والدبلوماسية والوحدة الكوردية.

 

خليل كارده

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *