كردستان مركز ثقل وبيضة القبان- بقلم: صبيح الكعبي

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
[الحجرات: 13]

وما نيلُ المطالبِ بالتمنّي
ولكن تُؤخذُ الدنيا غِلابا

حين نتحدث عن العراق، فإننا نتحدث عن وطنٍ عريق، تتداخل فيه القوميات والأديان والمذاهب والثقافات، وتشكل في مجموعها لوحةً إنسانيةً وحضاريةً قلَّ نظيرها. ومن بين هذه المكونات الأصيلة، تقف كردستان بتاريخها وشعبها وإرثها الثقافي والسياسي، حاضرةً في المشهد العراقي ومؤثرةً في مساراته.

ولعلَّ أجمل ما يُستحضر في هذا السياق، تلك الأغنية التي جمعت بين الكرد والعرب في كلماتها ومعانيها، عندما غنّى الفنان أحمد خليل«هَربَجي كردي وعرب»، في صورةٍ فنية تختصر معاني الأخوّة والتعايش والمحبة التي عرفها أبناء العراق.

إنَّ الحديث عن الشعب الكردي لا يمكن اختزاله في موقفٍ سياسي أو مرحلةٍ واحدة؛ فهو شعبٌ له تاريخٌ طويل، وتجارب وتضحيات كبيرة. وقد مرَّت القضية الكردية بمراحل من النضال السياسي والعسكري، سعى خلالها الكرد إلى تثبيت حقوقهم والحفاظ على هويتهم وخصوصيتهم الثقافية والقومية.

وفي ظل النظام البعثي، تعرَّض الشعب الكردي إلى القمع والتهجير والعمليات العسكرية، وكان من أكثرها مأساويةً حملات الأنفال وقصف حلبجة بالسلاح الكيميائي، وهي أحداثٌ تركت جرحًا عميقًا في الذاكرة الكردية والعراقية والإنسانية.

وبعد عام 1991، دخلت كردستان مرحلةً جديدة، أسهمت في بناء مؤسساتها وتطوير مدنها وتعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي. ولم تكن هذه التجربة خاليةً من التحديات، لكنها أثبتت أن البناء يحتاج إلى مؤسساتٍ رصينة، وشفافية، وتفاهمٍ داخلي، ومراجعةٍ مستمرة.

والكرديُّ، في صورته التي عرفناها عن قرب، يعتز بهويته وحقوقه، وقد قدّم في سبيلها تضحياتٍ كبيرة. وهو يدرك أن بناء المستقبل لا يكون بالسلاح وحده، وإنما بالعقل والدبلوماسية والحوار.

وقد أصبحت الدبلوماسية الكردية أكثر حضورًا في المشهد الإقليمي، واستطاعت الحفاظ على قنوات اتصال مع أطراف متعددة. وفي هذا السياق، برز دور نيجيرفان بارزاني في جهود التهدئة ونقل الرسائل والاتصالات في أوقات الأزمات، بما يعكس مساحة الحضور التي اكتسبها الإقليم.

ولذلك فإن كردستان ليست مجرد مساحةٍ جغرافية داخل العراق، بل أصبحت مركز ثقلٍ وبيضةَ القَبّان في عددٍ من الملفات، لما تمتلكه من موقعٍ جغرافي، وثقلٍ سياسي، وعلاقاتٍ إقليمية ودولية.

ومن الإنصاف القول إن العراق لا يستطيع أن يستغني عن كردستان، كما أن كردستان لا يمكن أن تنفصل عن العراق؛ فالعلاقة بينهما امتدادٌ لتاريخٍ مشترك، ومصالح متبادلة، وتضحيات شارك فيها أبناء الوطن الواحد.

وقد كان لكاكه مسعود حضورٌ واضح في مراحل مهمة من تاريخ الإقليم، كما كان لكاكه جلال، رحمه الله، دورٌ بارز في الحياة السياسية العراقية. واليوم تتواصل في الإقليم عملية بناء المؤسسات رغم التحديات.

إنَّ مسؤولية القيادة تفرض توحيد الكلمة، ونبذ الخلافات، ووضع رؤيةٍ مشتركةٍ للمستقبل، حتى لا تنال منجزَ الإقليم أفكارٌ شوفينيةٌ بعيدةٌ عن روح العراق ووحدته.

فالعراق لا يكون قويًا إلا بكل مكوناته، والدولة لا تُبنى بإقصاء طرف أو تهميش مكوّن، وإنما بالشراكة والعدل واحترام الخصوصيات. وفي المقابل، فإن قوة الإقليم واستقراره لا يكتملان إلا بعلاقةٍ متوازنة مع بغداد، واحترام الدستور، وحفظ الحقوق المتبادلة.

ويبقى العراقُ أقوى حين تكون كردستان قوية، وتبقى كردستان أكثر أمنًا وازدهارًا حين يكون العراق قويًا ومستقرًا.

كردستان جزءٌ أصيل من العراق، والعراق وطنٌ يتسع للجميع، ووحدته هي المظلة التي تحفظ أبناءه وتصون مستقبلهم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *