ما يقوله المسؤول ومايراه المواطن  – محمد ديب أحمد 

ثمة مسؤولون يبدو أنهم لا يحتاجون إلى وزارة واحدة ، وربما لا تكفيهم إدارة
و وزارة أصلاً .
تسألهم عن السياسة فيجيبون ،
وعن الاقتصاد فيجيبون ، وعن التعليم لديهم جواب ، وعن الأمن والدفاع لديهم رأي ، وعن النفط والغاز والثروات التي ما زالت في باطن الأرض … لا مشكلة ،
فحتى ما لم يُكتشف بعد يبدو أن له عندهم جواباً جاهزاً وبالتفصيل .
ربما كان لديهم بالفعل جواب عن كل شيء ، لكن المشكلة أن بعض هذه الأجوبة تكون مبهمة ، سطحية ، ومحدودة بقدر ما يسمح به المجال الذي يعرفونه .
وقد يبتسم القارئ أمام هذه الصورة ،
وربما يتعرف إلى بعض ملامحها ، لكن المسألة في حقيقتها ليست مادة للسخرية وحدها .
فحين يصبح المسؤول معنياً بالإجابة عن كل شيء ، يصبح من المشروع أن نسأله :
من المسؤول إذن عن الشيء الذي يقع خارج اختصاصه ؟
السؤال يبدو بسيطاً ، لكنه يقودنا إلى مشكلة أعمق في ثقافتنا السياسية والإدارية :
 لماذا نعتبر قول المسؤول «لا أعرف» نقصاً ، واعترافه بأن الموضوع من اختصاص جهة أخرى تهرباً ،
بينما يفترض أن يكون العكس تماماً ؟
فالمدير أو المسؤول ، أياً كان موقعه ،
 ليس مطالباً بأن يمتلك جواباً عن كل سؤال ، خصوصاً عندما تكون الأسئلة ذكية ودقيقة ، وتأتيه من قنوات إعلامية تعرف كيف تنتزع الكلمة من فم المسؤول وتضعه أمام زاوية ضيقة ، ولو كانت الابتسامة لا تفارق شفاه من يطرح السؤال .
ليس عيباً أن يتوقف المسؤول لحظة ويقول :
 «لا أملك الإجابة الدقيقة عن هذا السؤال» .
العيب أن يحشر نفسه في كل المتاهات والزواريب ، وأن يمد يده إلى ملفات لا يملك عنها سوى معلومات عامة ،
 ثم يقدمها وكأنها حقائق مكتملة .
في الدول التي تحترم مؤسساتها ، لا يُطلب من المسؤول أن يعرف كل شيء ،
 وإنما أن يعرف مسؤولياته ، وأن يحترم مسؤوليات الآخرين .
أما عندنا ، فقد أصبح أحياناً من علامات القوة أن يكون للمسؤول رأي في كل شيء ، حتى في الأشياء التي لا علاقة لها بالكرسي الذي يجلس عليه .
وهنا تبدأ الحكاية التي تتجاوز شخصاً
 أو حزباً أو حكومة .
القضية ليست :
من قال ماذا ؟
بل :
كيف نريد أن تُدار الدولة ؟
وهذا السؤال يهمنا اليوم بصورة خاصة في سوريا وروج آفا ، حيث لا تكمن أهمية وصول الكرد إلى بعض مواقع الدولة في تغيير أسماء الجالسين خلف المكاتب فقط ، وإنما في قدرتهم على المساهمة في بناء طريقة مختلفة للعمل داخل المؤسسة .
فالدخول إلى الدولة شيء ،
والمساهمة في تغيير ثقافة الدولة شيء آخر .
وبين الاثنين مسافة لا تقطعها الخطب
 ولا البيانات ، وإنما تقطعها الممارسة .
ولعل أول ما تحتاجه هذه الممارسة هو أن يعرف كل مسؤول حدود مهمته ، وأن يتحمل بعض الأعباء التي أوصلته إلى الموقع الذي هو فيه .
إذا سُئل المسؤول عن ملف يقع ضمن اختصاصه ، فمن الطبيعي أن يجيب وأن يتحمل مسؤولية جوابه .
 أما إذا تعلق السؤال بملف آخر ، فلا أرى في الإحالة إلى الوزارة أو الجهة المختصة تهرباً من المسؤولية .
على العكس .
قد يكون الجواب الأكثر مهنية هو :
هذا الموضوع من اختصاص الوزارة أو الجهة الفلانية ، وهي الأقدر على الإجابة عنه .
جملة قصيرة ، لكنها تحمل معنى كبيراً .
فهي تعني أن هناك مؤسسة ، وأن هناك توزيعاً للصلاحيات ، وأن المسؤول لا يعتبر نفسه الدولة كلها .
قد يبدو هذا أمراً بديهياً ، لكن البديهيات تصبح أحياناً بحاجة إلى التذكير بها ، خصوصاً في مجتمعات عاشت طويلاً تحت ظل المسؤول الذي يعرف كل شيء ،
ويقرر في كل شيء ، ويتحدث في كل الأمور .
فالمسؤول الذي يجيب عن كل شيء قد يجد نفسه ، من حيث لا يقصد ، مسؤولاً عن أشياء كثيرة لم تكن من اختصاصه أصلاً . وعندما تظهر النتائج أو الأخطاء ، تبدأ المسؤوليات بالتداخل ، ويصبح من الصعب معرفة أين ينتهي اختصاص شخص وأين يبدأ اختصاص الآخر .
هنا لا تعود المسألة مسألة مقابلة تلفزيونية ، وإنما تصبح مسألة في صميم بناء الدولة .
الدولة الحديثة لا تحتاج إلى « رجل يعرف كل شيء » ، بل إلى مؤسسات يعرف كل منها ماذا يفعل ، ومن يقرر ، ومن ينفذ ، ومن يحاسب .
وإذا كان المسؤول لا يعرف جواباً عن سؤال خارج اختصاصه ، فلا بأس .
أما إذا لم يعرف أنه خارج اختصاصه ،
فهنا تبدأ المشكلة .
ولعل المرحلة السورية الراهنة تقدم فرصة لإعادة التفكير في هذه الثقافة .
ففي سوريا ، حيث يجري الحديث عن إعادة بناء الدولة ومؤسساتها ، لا يكفي أن تتغير الوجوه أو تتبدل المواقع .
التحدي الحقيقي هو أن تتغير أيضاً طريقة ممارسة السلطة .
وهذا ينطبق كذلك على الحضور الكردي داخل مؤسسات الدولة .
فالمسؤول الكردي الذي يجد نفسه اليوم في موقع رسمي لا يدخل فقط إلى مكتب جديد ، بل يدخل إلى امتحان جديد .
والنجاح في هذا الامتحان لا يقاس بعدد التصريحات أو بعدد الملفات التي يستطيع الحديث عنها ، وإنما بقدرته على أن يكون جزءاً من بناء مؤسسة تحترم الاختصاص والقانون ، وتخدم الناس الذين ينتظرون منها الكثير .
بل إن هذه قد تكون فرصة للكرد أنفسهم كي يقدموا نموذجاً مختلفاً .
فإذا كنا ننتقد طوال عقود دولة الأشخاص ، فمن غير المنطقي أن نقبل بإعادة إنتاجها عندما يصبح لنا حضور داخلها .
وإذا كنا نطالب بدولة المؤسسات ،
فعلينا أن نمارس ثقافة المؤسسات عندما تتاح لنا فرصة المشاركة فيها .
لا نريد أن نستبدل مركزية شخص بمركزية شخص آخر ، بل نريد أن ننتقل من مركزية الأشخاص إلى مركزية المؤسسة .
 فالمؤسسة في النهاية ، ليست جدراناً ومكاتب وأختاماً .
المؤسسة التي تستحق أن تُبنى هي التي تستطيع أن تنظر إلى الناس وأسئلتهم البسيطة قبل الملفات الكبيرة .
هناك من ينتظر معرفة مصير قريب ما زال مفقوداً ، وهناك من ينتظر خبراً يطمئنه ، وهناك عائلة تريد أن تعرف كيف سيكون غدها ،
وهناك شاب يبحث عن فرصة عمل ،
 وطفل يحتاج إلى مدرسة تمكنه من لغته الأم ،  ومواطن يريد خدمة يستطيع الحصول عليها من دون أن يتحول طلبه إلى رحلة جديدة من الانتظار .
هذه أيضاً أسئلة سياسية .
وربما تكون أهم من كثير من الأسئلة التي نختلف حولها أمام الكاميرات .
فالمواطن لا يعيش داخل البيانات ،
ولا يأكل الاتفاقات ، ولا يستطيع أن يعلّق صورة المؤتمر على جدار بيته ويعتبرها إنجازاً .
هو يريد أن يشعر ، ولو بخطوات صغيرة ، أن شيئاً ما يتحرك في الاتجاه الصحيح .
وهنا تصبح القضية أوسع من سوريا وروج آفا .
السياسة ليست فقط أن نعرف ماذا نقول ، وإنما أن نعرف ماذا نستطيع أن نفعل ،
 وما الذي يحتاج إلى وقت ، وما الذي يحتاج إلى مؤسسة ، وما الذي يحتاج إلى قرار .
والكفاءة ليست في عدد الأجوبة ، بل في دقة الجواب ، وفي معرفة متى يجب أن تجيب ، ومتى يجب أن تحيل السؤال إلى صاحبه ، ومتى تقول ببساطة :
«لا أملك المعلومة الكافية .»
ربما تكون هذه الجملة الأخيرة أصعب على البعض من خطاب كامل أمام الكاميرات .
لكنها في الحقيقة قد تكون أكثر احتراماً للمواطن .
فالناس لا تحتاج إلى مسؤول يتحدث عن كل شيء ؛
تحتاج إلى مسؤول يمكنها أن تثق بما يقوله عندما يتحدث عن الشيء الذي يتحمل مسؤوليته .
وهنا نصل إلى المسألة الأكبر :
كيف نقيس نجاح السياسي ؟
ليس بعدد البيانات وحدها ، ولا بعدد الاجتماعات والمؤتمرات والصور .
بل بما تغير فعلاً في حياة الناس .
القضية الكردية ، مثلها مثل أي قضية سياسية ، لا تستطيع أن تعيش إلى الأبد على قوة خطابها .
لقد قيل الكثير ،
وطُرحت مطالب كثيرة ،
ووقعت تفاهمات واتفاقات ، وأعلنت مواقف لا حصر لها .
لكن السؤال الهادئ يبقى :
ماذا تغير ؟
هل أصبح هناك حق يشعر به الناس ؟
هل أصبح هناك قانون يحميه ؟
هل أصبحت هناك مؤسسة تقوم بدورها ؟
هل أصبح هناك أمان أكبر ،
وخدمة أفضل ،
وفرصة أوسع لحياة طبيعية ؟
وهنا فقط يبدأ الفرق بين السياسة كخطاب والسياسة كفعل .
البيان يستطيع أن يعلن الانتصار ، لكن الحياة اليومية هي التي تمنحه .
والسياسي يستطيع أن يقول إنه نجح ،
 لكن المواطن هو الذي يستطيع أن يلمس نتيجة النجاح .
لهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للعمل السياسي ليس أن يفشل السياسي في تحقيق كل أهدافه ، فهذا أمر طبيعي في السياسة ، وإنما أن يتحول الإعلان عن الإنجاز إلى بديل عن الإنجاز نفسه .
عندها يصبح الخطاب منتصراً ، بينما يبقى الواقع في مكانه .
لذلك ربما آن الأوان أن نخفف قليلاً من سؤال :
ماذا قال المسؤول ؟
ونبدأ بسؤال أكثر هدوءاً ،
وربما أكثر أهمية :
ماذا تغير وماذا نتأمل في أن يتغير ؟
ففي السياسة يمكن أن تنتصر في الخطاب كل يوم .
أما الواقع ، فلا يمنحك شهادة النجاح إلا عندما يرى الناس النتيجة بأعينهم ، ويشعرون بها في حياتهم .
وربما لا تحتاج سوريا اليوم إلى مسؤولين يعرفون كل شيء ، بقدر حاجتها إلى مؤسسات تعرف من يعرف ماذا ،
وتعرف أيضاً أن وراء كل ملف حقوقاً وإنساناً ينتظر شيئاً .
في النهاية ، هذا هو الفرق بين أن ندخل الدولة وأن نساهم في بناء الدولة .
الأولى تحتاج إلى منصب .
أما الثانية فتحتاج إلى ثقافة .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *