في السياسة ، قد تمتلك قضية عادلة ، وشعباً مستعداً لدفع الثمن ، وقوة عسكرية أثبتت حضورها ، وإدارة بنت مؤسساتها ، وعلاقات مع دول كبرى ، ثم تكتشف في لحظة سياسية واحدة أن كل ذلك لا يمنحك بالضرورة ما كنت تعتقد أنك تستحقه .
هنا بالضبط تبدأ السياسة .
ليس لأن ما نريده أصبح أقل عدالة ، ولا لأن التضحيات فقدت قيمتها ، بل لأن ميزان القوة لا يُقاس بحجم ما دفعناه فقط ، وإنما بقدرتنا على تحويل ما دفعناه إلى مكاسب سياسية قابلة للحماية والاستمرار .
هذه واحدة من أصعب الحقائق التي تواجه الحركات والقوى السياسية :
الفرق بين ما نريد وما نستطيع ليس تفصيلاً صغيراً في السياسة ، بل هو السياسة نفسها .
ولعل التجربة الكردية في روج آفا وشمال وشرق سوريا تقدم اليوم واحدة من أكثر الحالات وضوحاً لهذه المعضلة .
خلال سنوات طويلة ، لم تكن هناك مجرد شعارات عن الحقوق والخصوصية والكرامة . كانت هناك حرب حقيقية ، ومقاتلون ، وآلاف الشهداء والجرحى ، وتهجير ونزوح ، وإدارة ومؤسسات ، وقوة عسكرية ، وتجربة سياسية وإدارية ، وعلاقات مع دول وقوى دولية مؤثرة .
أي أن هناك محصولاً كبيراً تراكم خلال سنوات قاسية .
ومن الطبيعي أمام هذا الحجم من التضحيات والإنجازات أن ترتفع التوقعات ، وأن يعتقد كثير من الكرد أن ما تحقق على الأرض يمكن أن يتحول بصورة شبه تلقائية إلى مكاسب سياسية أكبر وأكثر ثباتاً .
لكن السياسة لا تعمل بالتلقائية .
فالنفوذ العسكري ليس بالضرورة نفوذاً سياسياً دائماً ، والإدارة على الأرض ليست بالضرورة اعترافاً دستورياً ، والعلاقات الدولية ليست شيكاً مفتوحاً ، والتضحيات ، مهما عظمت ، لا تمنح أصحابها وحدها القدرة على تحديد شكل التسويات .
قد تكون هذه الحقيقة قاسية ، لكنها أكثر فائدة من أي خطاب مريح .
الدول لا تدير علاقاتها على أساس المشاعر ، وإنما وفق مصالحها . والتحالفات التي تنشأ في حرب قد تتغير عندما تتغير الحرب ، والأولوية التي تجعل طرفاً دولياً قريباً منك اليوم قد لا تكون هي الأولوية نفسها غداً .
لهذا فإن السؤال السياسي الذي ينبغي طرحه ليس فقط: ماذا قدمنا ؟
بل أيضاً :
ماذا استطعنا أن نحول من هذه التضحيات إلى قوة سياسية ؟
وهنا تبدأ المراجعة الحقيقية .
فالتضحيات لا يجوز أن تُبخس ، لأنها ليست أرقاماً في دفاتر السياسة ، وإنما أرواح الأبناء وبيوت وقرى ومدن وذاكرة مجتمع كامل . لكن احترام التضحيات لا يعني أن نحولها إلى حصانة تمنع مراجعة الأداء السياسي .
بل ربما يكون العكس هو الصحيح .
أكبر وفاء للتضحيات هو أن نبحث عن الأخطاء التي حالت دون تحويل ثمارها إلى مكاسب أكثر استقراراً وديمومة .
وهنا يمكن أن نلقي بعض الحصى الصغيرة في المياه الراكدة .
فالظروف الاستثنائية تفرض أحياناً مركزية في القرار ، وهذا مفهوم في زمن الحرب .
لكن المركزية التي تبدأ كضرورة قد تتحول ، إذا طال أمدها، إلى ثقافة سياسية .
وعندما يصبح القرار محصوراً في دائرة ضيقة ، وتصبغ القرارات الوطنية بلون حزبي ، ويصبح النقد أقرب إلى التشويش ، فإن المؤسسة قد تكسب سرعة في اتخاذ القرار ، لكنها تخسر شيئاً آخر :
القدرة على رؤية أخطائها قبل أن تتحول إلى نتائج .
وهنا لا نتحدث عن أشخاص ، ولا نبحث عن متهمين .
نتحدث عن نموذج في إدارة السياسة .
فالسلطة التي لا تسمع إلا ما يوافقها قد تنجح في إقناع نفسها بأنها تسير في الاتجاه الصحيح ، بينما يكون الشارع قد بدأ يطرح أسئلة مختلفة تماماً .
والشارع الكردي ليس مجرد جمهور ينتظر البيانات السياسية ليصفق لها. إنه مجتمع دفع ثمناً باهظاً، ومن حقه أن يسأل: ماذا بقي من كل تلك السنوات؟ ماذا تحقق؟ ماذا ضاع؟ وما الذي يمكن الحفاظ عليه؟
ولا تكفي الإجابة بأن أصحاب القرار يعرفون من التفاصيل أكثر مما يعرفه المواطن.
صحيح أن المفاوض السياسي لا يستطيع أن يضع كل أوراقه على الطاولة، لكن ذلك لا يعفيه من مسؤولية شرح الاتجاه العام، ولا من مراجعة النتائج، ولا من الاستماع إلى المجتمع الذي يتحدث باسمه .
وهنا تظهر مشكلة أخرى :
هل امتلاك السلطة يعني بالضرورة امتلاك الرؤية الوحيدة ؟
القضية الكردية أكبر من أي حزب، وأوسع من أي إدارة، وأبقى من أي قيادة. وكلما تحولت القضية إلى مساحة ضيقة لا تتسع إلا لرؤية واحدة، أصبحت معرضة للخسارة حتى لو امتلك أصحابها نوايا صادقة.
والحزبية، حين تتجاوز حدودها الطبيعية وتدخل في القرارات الوطنية الكبرى، قد تتحول من وسيلة لتنظيم العمل السياسي إلى عامل يضيّق مساحة القرار ويضعف المشاركة.
التعدد السياسي ليس ترفاً في القضايا الكبرى، بل قد يكون أحد شروط بقائها.
والاختلاف في الرأي لا يعني بالضرورة الانقسام في القضية، كما أن تعدد الرؤى لا يعني غياب وحدة الهدف. وربما تحتاج القضايا المصيرية إلى توسيع دائرة النقاش أكثر من حاجتها إلى تضييقها.
لكن المراجعة لا ينبغي أن تتوقف عند القرار السياسي وحده.
هناك إرث مادي ومؤسساتي نشأ خلال سنوات المرحلة السابقة: مؤسسات، منشآت، معدات وآليات، موارد مالية، سجلات، خبرات، وبنى إدارية تراكمت في ظروف استثنائية.
وهذا الملف حساس، لأنه قد يصبح في مراحل الانتقال السياسي عرضة لمنطق آخر: منطق الفراغ والاستحواذ.
هذه الموارد ليست غنيمة لطرف سياسي، وليست ملكية خاصة لجهة، كما أن انتقال السلطة لا يعني تلقائياً سقوط القواعد القانونية المتعلقة بها.
في أي انتقال جاد، يجب أن يكون هناك جرد وتوثيق ووضوح في الملكية والإدارة وآليات انتقال ومساءلة، بما يحفظ المصلحة العامة وحقوق المجتمع.
فالسياسة لا تتعلق فقط بمن يجلس على الكرسي، وإنما أيضاً بما يحدث للمؤسسات والموارد التي ستبقى بعد تغير الأشخاص والسلطات.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة: فن الممكن.
فن الممكن ليس أن نقول: هذا ما أعطونا، فلنأخذه وننصرف.
كما أنه ليس أن نقول: إما أن نحصل على كل ما نريد الآن، أو نرفض كل شيء.
الواقعية السياسية أكثر تعقيداً من ذلك .
أن تعرف ما تريد ، وأن تعرف ما تستطيع ، وأن تعرف كيف تجعل الممكن اليوم جسراً إلى المطلوب غداً ؛
هذه هي السياسة .
وليس كل تنازل عن وسيلة تنازلاً عن الهدف، كما أن رفض المكسب الجزئي ليس دائماً تمسكاً بالمبدأ. أحياناً يكون الممكن خطوة نحو الهدف، وأحياناً يؤدي رفضه إلى خسارة ما كان يمكن البناء عليه.
ولهذا فإن السؤال حول الاندماج في الدولة السورية لا ينبغي أن يُختصر في سؤال عاطفي من نوع : انتصار أم هزيمة ؟
السؤال الأكثر جدية هو :
ماذا حملنا معنا إلى داخل الدولة ؟
هل تحولت التضحيات إلى حقوق ؟
هل تحولت التجربة المؤسساتية إلى ضمانات ؟
هل أصبحت الخصوصية الكردية جزءاً من الاعتراف الدستوري والقانوني ؟
هل انتقلت الخبرة السياسية والإدارية من واقع الأمر الواقع إلى موقع داخل الدولة ؟
وهل يستطيع الكرد أن يحافظوا على ما راكموه، وأن يحولوه إلى قوة سياسية ومؤسساتية بدلاً من أن يتحول إلى مجرد فصل من تاريخ الحرب ؟
إذا كان الاندماج يعني ذوبان الخصوصية والعودة إلى مركزية تنتج المشكلة نفسها من جديد ، فهذه ليست واقعية سياسية ، بل إعادة إنتاج للأزمة .
أما إذا كان الاندماج يعني الانتقال من واقع فرضته الحرب إلى مشاركة سياسية ومؤسساتية وحقوق دستورية واضحة داخل دولة سورية تتسع لجميع مكوناتها ، فهنا يصبح النقاش مختلفاً تماماً .
المعيار إذن ليس الاسم الذي نطلقه على المرحلة .
المعيار هو ما الذي خرجنا به منها .
وهنا أيضاً ينبغي ألا نقع في فخ جلد الذات .
فقد لا يكون بالإمكان الاحتفاظ بكل ما نشأ خلال الحرب بعد تغير الظروف الإقليمية والدولية ، لكن هذا لا يعني أن كل شيء كان محكوماً بالضياع .
وقد لا يكون ممكناً تحقيق كل ما نريد في مرحلة واحدة ، لكن ذلك لا يعني أن السياسة يجب أن تتوقف عند أول سقف تفرضه موازين القوى .
المطلوب ليس أن نحب الواقع ،
بل أن نفهمه .
وليس المطلوب أن نبرر كل قرار ، بل أن نعرف كيف نقرأ نتائجه .
وليس المطلوب أن نحاكم الأشخاص ، بل أن نحاكم السياسات والخيارات والمخرجات .
فإذا أخطأت الرؤية ، يجب أن تُراجع . وإذا أغلقت المركزية أبواباً كان ينبغي أن تبقى مفتوحة ، فيجب فتحها .
وإذا كانت هناك فجوة بين السلطة والشارع ، فلا ينبغي تغطيتها بالبيانات والخطابات . وإذا كان هناك إرث مادي ومؤسساتي ، فيجب حمايته بالقانون لا بالولاءات .
السياسة في النهاية ليست مسابقة لإثبات من كان أكثر صواباً في الماضي .
إنها محاولة لتقليل الخسائر في الحاضر ، وفتح الطريق أمام مكاسب أكبر في المستقبل .
وقد تكون هذه هي اللحظة التي نحتاج فيها إلى الانتقال من سؤال : «ماذا كنا نريد ؟» إلى سؤال أكثر واقعية : «ماذا نستطيع أن نفعل الآن بما بقي في أيدينا ؟»
فالمحصول الذي سُقي بالدم لا يجوز تبديده لأننا لم نحصل على الموسم الذي حلمنا به ، كما لا يجوز أن نتركه نهباً لمن ينتظر نهاية الموسم كي ينقض عليه .
لقد تغيرت الرياح ، وربما تغيرت معها قواعد اللعبة .
لكن الرياح ليست قدراً سياسياً .
القدرة على قراءة اتجاهها ، وحماية ما يمكن حمايته ، وإعادة ترتيب الأوراق ، وتصحيح الأخطاء ، وتحويل الممكن إلى خطوة جديدة ، هي أيضاً جزء من السياسة .
وربما يكون أهم ما نحتاج إليه اليوم ليس خطاباً جديداً ، ولا شعاراً جديداً ، ولا مهدئاً سياسياً جديداً .
بل مراجعة صريحة لما فعلناه ، وما أخطأنا فيه ، وما نستطيع فعله الآن ؛ لأن تصحيح المسار لا يعني إنكار التضحيات ، ونقد السلطة لا يعني التخلي عن القضية ، والواقعية لا تعني الاستسلام .
إنها ببساطة محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ، وبناء ما يمكن بناؤه ، والاستعداد لما قد تأتي به الرياح المقبلة .
فالسياسة التي لا تعرف ما تستطيع ، قد تخسر ما تريد .
والسياسة التي تنسى ما تريد ، قد تربح الممكن … وتخسر المستقبل .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

