هل ترسم طائرة «الزيدي» إلى باريس خارطة نجاة العراق؟- بقلم: صبيح الكعبي

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
سورة الأنفال: 46

تتسارع دقات الساعة في الشرق الأوسط فوق صفيح إقليمي شديد السخونة؛ صدام أمريكي إيراني مباشر يضع المنطقة على حافة الانفجار، ومضيق استراتيجي كـ«هرمز» تتعطل حركة الملاحة فيه، لتتوقف معه نبضات الاقتصاد العراقي الذي يعتمد بنحو تسعين بالمئة من إيراداته العامة على النفط، فيما تمر النسبة الأكبر من صادراته النفطية عبر هذه النافذة البحرية. وفي قلب هذا الإعصار، وبينما تدير مسقط خلف الكواليس دبلوماسية هادئة لتأمين ممرات بحرية طارئة، يتجه رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى العاصمة الفرنسية باريس، في حركة تبدو على رقعة الشطرنج الدولية مناورة سيادية يبحث فيها العراق عن فضاء سياسي واقتصادي حُرّ، يحميه من مقص الاستقطاب الحاد بين واشنطن وطهران.

هذا التهديد الوجودي، المتمثل في تعطل حركة الصادرات النفطية، فرض على بغداد المسارعة إلى تفعيل بدائل لوجستية عبر الطرق البرية والأنابيب الشمالية نحو تركيا، وهو مسار يحتاج إلى رافعة دولية تمنحه الاستقرار والدعم. ومن هنا تبرز أهمية الشراكة مع فرنسا، التي تجد في المسعى العراقي مصلحة حيوية في أمن الطاقة، فضلًا عن رغبة باريس في تعزيز حضورها المستقل في الشرق الأوسط.

وهذا التناغم بين بغداد وباريس قد يمثل قوة دفع سياسية ولوجستية للوساطة العُمانية؛ إذ تستطيع فرنسا، بمقعدها الدائم في مجلس الأمن الدولي، أن تؤدي دورًا مؤثرًا في دعم التهدئة ومنع عسكرة الممرات المائية، وتأمين الظروف الملائمة لأي تفاهمات إقليمية تُطبخ في مسقط.

ولا تقتصر الرهانات العراقية في قصر الإليزيه على إطفاء حرائق الأزمة الراهنة، بل تمتد إلى تأسيس استراتيجية مستقبلية في ملفي الأمن والطاقة. فمع اقتراب انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق في نهاية أيلول الجاري، يبرز اتجاه نحو توسيع الشراكات الأمنية الثنائية، بما فيها التعاون الاستخباراتي والتدريب العسكري، بعيدًا عن التجاذبات السياسية المحيطة بالوجود الأمريكي المباشر. وقد أكدت بغداد أن العلاقة بعد انتهاء مهمة التحالف ستتجه نحو شراكات ثنائية في مجالات التدريب وتبادل المعلومات.

ويتكامل هذا المسار مع ترسيخ حضور الشركات الفرنسية، وعلى رأسها «توتال إنرجيز»، التي ترتبط بالعراق بمشروع «غاز النمو المتكامل» البالغة قيمته الإجمالية 27 مليار دولار، ويشمل استثمار الغاز المصاحب والطاقة الشمسية وتطوير الإنتاج ومعالجة المياه، بما يمكن أن يسهم في تعزيز أمن الطاقة وتقليل الهدر وتحسين الكهرباء.

إن تحرك بوصلة بغداد نحو باريس في هذا التوقيت الحَرِج يحمل رسالة بالغة الدلالة؛ مفادها أن العراق يرفض أن يكون ساحة لتصفية الحسابات أو ضحية لصراعات الآخرين، بل هو لاعب يحاول اقتناص مصالحه العليا وسط أمواج متلاطمة. فهل تنجح فرنسا في فتح النوافذ المغلقة أمام العراقيين ، ليكون هذا التحرك اختبارًا جادًا لبوصلة التوازن التي يقودها الزيدي، أم أن وتيرة التصعيد ستكون أسرع من لغة الدبلوماسية؟ الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة.

ولِلأوطانِ في دَمِ كُلِّ حُرٍّ
يَدٌ سَلَفَتْ ودَيْنٌ مُستَحَقُّ

ولِلحرّيّةِ الحمراءِ بابٌ
بِكُلِّ يَدٍ مُضَرَّجَةٍ يُدَقُّ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *