الإطار التنسيقي والمليشيات.. سلطة واحدة بوجهين- سمير عادل

إن السعي إلى تسويق سردية مفادها أن هناك إطارًا تنسيقيًا ــ بوصفه المظلة السياسية للسلطة الطائفية ــ وهناك مليشيات تحمل عنوان «سلاح المقاومة»، وأن هناك مسافة فاصلة بين الدولة والمليشيات، هو أكبر عملية تضليل تمارسها سلطة الإسلام السياسي الشيعي الحاكم في بغداد. وقد ساهمت حالة اللاحرب واللاسلم في المنطقة في ترسيخ هذه السردية وترويجها في وسائل الإعلام. اي بشكل اخر نقولها وكما تحدثنا في مقالات سابقة ومقابلات تلفزيونية، فإن من يعتقد أن حكومة الزيدي ستنهي أمر المليشيات في العراق إنما يحاول الانتحار بأوهامه.

أما اليوم، فتم دحض تلك السردية، التصريحات التي أطلقها نوري المالكي وهادي العامري القادة البارزين للاطار التنسيقي وهما الشخصيتان اللتان تديران دفة السلطة السياسية في العراق، وتحددان إيقاعها، وتحركان حكومة الزيدي يمينًا ويسارًا، كما فعلت مع حكومة السوداني، وقبله الكاظمي وعبد المهدي بدفاعهم عن المليشيات وابقائها وحمايتها وتحت عناوين جديدة مثل تنظيمها او احتوائها..الخ من العبارات والكلمات المظللة.

إن هذه الجرأة التي ظهر بها العامري والمالكي في الدفاع عن المليشيات تعود، في جانب أساسي منها، إلى عدم قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على حسم مصير الحرب مع ايران لصالحها. واصبح واضحا لكل الذين راهنوا على حكومة الزيدي وتصديق الفقاعات الاعلامية حول حربها على الفساد وانهاء المليشيات، بأنه لا يمكن الفصل بين الإطار التنسيقي والمليشيات؛ فهما وحدة واحدة: الإطار التنسيقي هو الجناح السياسي للسلطة الطائفية في العراق، بينما المليشيات هي ذراعها العسكري.

إن معضلة السلطة الطائفية، وهي سلطة الإسلام السياسي الشيعي، التي تمسك بزمام آلة الدولة التي تشكل المليشيات أحد أعمدتها الأساسية، تكمن في عدم حسمها للصراع السياسي بما يتيح لها تصفية جميع منافسيها. وهناك نقطة أخرى لا بد من الإشارة إليها، وهي أن هذه المعضلة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالوضع السياسي والحرب الدائرة في المنطقة، و صراع الأقطاب الإقليمية و التحولات الجيوسياسية العالمية التي تعتبر الشرق الأوسط جزء منها.

العملية السياسية في العراق تستند في استقرارها إلى الدعم الإقليمي، بينما ترتبط أطراف العملية السياسية بالقوى الإقليمية. وقد فتحت إسرائيل أبواب جهنم صراع سمته ببناء شرق أوسط جديد، وتحاول كل قوة إقليمية الحصول على موطئ قدم في المعادلات السياسية الجديدة.

فتركيا لن تتخلى عن موطئ قدمها في كردستان العراق وهي تملك اكثر من 52 نقطة عسكرية بما فيه قواعد، الذي يشكل منفذًا لدعم القوى التي تسمي نفسها «السنية». كما أن السلطة الموجودة في بغداد مرتبطة بشكل عضوي بالنظام القومي الإسلامي في إيران، وان أي خلل في طرف ما سيؤثر بشكل مباشر على الطرف الثاني، وفي الوقت نفسه، أصبح واضحًا أن دول الخليج لن تقبل، كما في السابق، باستمرار النفوذ الإيراني في العراق ويكون عامل غير استقرار وتعكر صفو ومزاج حرية وحركة الرأسمال والتجارة والاقتصاد العالمي.

والعراق منخرط فعليًا في الصراع إلى جانب إيران ضد دول المنطقة والولايات المتحدة الأمريكية. وما لم تُحسم مسألة الحرب في المنطقة، سيظل العراق تتقاذفه الرياح الإقليمية.

أما المعضلة الأخرى التي تواجه الإطار التنسيقي، والمتمثلة في محاولة إرضاء الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، والحفاظ على الإخلاص العقائدي والسياسي للجمهورية الإسلامية في إيران من جهة أخرى، فتتمثل في عدم انسجام هذين الاتجاهين ضمن رؤية سياسية واضحة للخروج من المأزق الذي يجد الإطار نفسه فيه.

فالإطار التنسيقي لا شيء من دون المليشيات، ولن يستطيع أن تقوم له قائمة ليوم واحد من دونها. وقد بيّنت انتفاضة تشرين السلمية مدى خواء هذه السلطة وعدم قدرتها على الاستمرار من دون سلاح المليشيات، الذي قتل نحو 800 شخص، واعتقل المئات، وغيّب عددًا كبيرًا من المعارضين والمتظاهرين. وقد اعترف هادي العامري نفسه بذلك أمام العالم، عندما قال ان سلاح المقاومة تصدت ل”فتنة تشرين”.

إن الأخطر الذي يواجه الوضع السياسي في العراق اليوم هو انفلات عقال المليشيات، في إطار سعيها إلى إسكات الأصوات الداعية إلى نزع سلاحها، عبر سلسلة من عمليات المداهمة والاقتحام، كما حدث في المؤتمر الذي نُظّم في فندق الرشيد وسط المنطقة الخضراء، وكذلك اقتحام معرض بغداد الدولي للكتاب ومصادرة كتاب يتناول موضوع «الشيعة» بصورة أكاديمية للباحث علي المدني، فضلًا عن استهداف المنشآت السعودية انطلاقًا من الأراضي العراقية للمرة الثانية، ورفع مستوى خطاب النعيق الطائفي.

ويحدث كل ذلك في الوقت الذي لا يحرك فيه مجلس القضاء الأعلى ولا المؤسسات الحقوقية ساكنًا تجاه هذه الفوضى، بما يؤكد أن المسار السياسي في العراق يتجه نحو فوضى مصطنعة تصنعها المليشيات، بهدف حسم مصير السلطة لصالح الإطار التنسيقي وتصفية مخالفيه.

ويبقى السؤال الذي يزيد من محنة الإطار التنسيقي وسلطته السياسية وأدواته المليشياتية: هل يوجد جوابًا في كيفية الرد على الحركة الاحتجاجية للعاطلين عن العمل، وعمال النفط والمصافي، والمطالبين بتعديل سلم الرواتب، التي تجتاح مدن العراق، والتي وصلت إلى ما يقارب 300 احتجاج خلال مئة يوم من تشكيل الحكومة، بين تظاهرات ووقفات ومسيرات واعتصامات، أم أن الرد سيكون فقط بتسخين خطاب النعيق الطائفي وبلطجة المليشيات التي ما زالت تختبئ تحت العنوان المفضوح “بسلاح المقاومة” بعد اعترافات العامري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *