هناك استعارات لا تحتاج إلى شرح طويل؛ يكفي أن تضعها أمام واقعٍ سياسي مألوف حتى تتحول من نكتة إلى مرآة.
يُقال: «القرود في الغابة: إذا تشاجرت أفسدت الزرع، وإذا تصالحت أكلت المحصول.»
قد تبدو العبارة ساخرة، لكنها تحمل في داخلها سؤالًا سياسيًا وفلسفيًا يتجاوز عالم الحيوانات: ماذا يحدث عندما تصبح السلطة غايةً في ذاتها، ويصبح الوطن مجرد حقلٍ تتصارع فوقه جماعات النفوذ؟ هنا لا تعود المشكلة في القرود وحدها، بل في الغابة التي سمحت لها بأن تنسى أن الحقل ليس ملكًا لها.
الاختلاف ليس عيبًا في السياسة، بل العيب في مجتمعٍ لا يعرف الاختلاف، فتتحول حياته إلى فراغ. والفراغ هنا ليس غياب الوقت، بل ضياع العمر دون أن يخلق الإنسان فنًا، أو حبًا، أو ذكريات، أو حضارة. فالاختلاف يمكن أن يكون طريقًا إلى التصحيح، والمساءلة، وكشف الأخطاء. لكن هناك فرقًا بين أن يختلف السياسيون حول كيفية حماية الحقل، وأن يختلفوا حول من يملك حق اقتسامه. في الحالة الأولى يكون الخلاف جزءًا من السياسة، وفي الثانية يصبح صراعًا على الغنيمة.
وهنا تأتي المفارقة التي تختصرها العبارة: إذا تشاجروا أفسدوا الزرع، وإذا تصالحوا أكلوا المحصول. في الحالتين لا يخسرون، بل الحقل هو الذي يخسر. فحين تتصارع الجماعات على السلطة، تتعطل المؤسسات، ويتراجع الاقتصاد، وينقسم المجتمع، ويصبح المواطن وقودًا لمعركةٍ لم يخترها. وحين تتصالح تلك الجماعات، قد لا يكون الصلح من أجل إنقاذ المجتمع، بل من أجل إعادة ترتيب الحصص وتقاسم النفوذ. وهكذا يجد المواطن نفسه أمام معادلة قاسية: خلافهم خراب، واتفاقهم عذاب.
لكن السؤال الأهم ليس: لماذا يتشاجرون؟ ولا: لماذا يتصالحون؟ السؤال الحقيقي هو: على ماذا يتشاجرون؟ وعلى ماذا يتصالحون؟ فإذا كان الخلاف حول التعليم، والصحة، والاقتصاد، والعدالة، والحريات، فإن اختلافهم يمكن أن يكون ضرورةً وطنية. أما إذا كان الخلاف حول المال، والقرار، والنفوذ، ثم انتهى إلى صفقةٍ تحفظ لكل طرفٍ نصيبه، فإن المجتمع لم ينتصر؛ لقد تغير فقط شكل الخسارة. وهنا تتحول السياسة من إدارة الشأن العام إلى إدارة الغنيمة.
لكن تحميل القرود وحدها المسؤولية قد يكون أسهل من مواجهة الحقيقة المظلمة. فالفساد لا يحتاج فقط إلى فاسد، بل يحتاج إلى بيئةٍ تسمح له بالفساد: مؤسساتٍ ضعيفة، وقانونٍ انتقائي، ورقابةٍ غائبة، ومجتمعٍ يتعامل مع الاستثناء وكأنه قاعدة. وهذا ما نُسميه أزمة المعرفة.
فعندما يصبح الولاء أقوى من القانون، والانتماء أقوى من الكفاءة، والعلاقة الشخصية أقوى من المؤسسة، يبدأ المجتمع بإنتاج سياسيين لا ينظرون إلى السلطة بوصفها أمانة، بل بوصفها فرصة. وعندها يصبح السؤال: لماذا أكل هذا المحصول؟ ثم يتحول سريعًا إلى: ولماذا لم آكل أنا قبله؟ وهنا تتجاوز المأساة الفاسدين أنفسهم، لأن المجتمع الفاقد للمعرفة يفقد قدرته على التمييز بين الحق والغنيمة.
الدولة ليست ملكًا لمن يحكمها، والثروة العامة ليست ملكًا لمن يديرها، والمؤسسات ليست ملكًا لمن يجلس على كراسيها. هذه أفكار بسيطة، لكنها تصبح خطيرة عندما تُطبَّق؛ لأنها تنزع من السلطة وهم الملكية الشخصية. الحاكم يرحل، والحزب يتغير، والتحالف ينتهي، لكن الدولة يجب أن تبقى. ولذلك فإن السؤال السياسي الأهم ليس: من وصل إلى السلطة؟ بل: ما الذي يستطيع فعله عندما يصل إليها، وما الذي لا يستطيع فعله؟ فالسياسة الناضجة لا تقوم على البحث عن حاكمٍ صالح فقط، بل على بناء نظامٍ لا يستطيع فيه الحاكم الفاسد أن يفعل ما يشاء. وهنا تكمن قوة المؤسسات: أن تجعل الحقل أقوى من القرود.
ربما يكون أخطر شيء ليس أن تفسد القرود الزرع، بل أن يعتاد أهل الحقل على ذلك. أن يروا الفساد فيصبح عاديًا، وأن يروا المحسوبية فيسمّوها «وفاءً»، وأن يروا الاستحواذ على المال العام فيسمّوه «حقًا»، وأن يروا الصفقات السياسية فيسمّوها «توافقًا». وعندما تتغير اللغة، تتغير علاقتنا بالحقيقة. فقد لا يختفي الفساد، وإنما نحن الذين نتعلم أسماءً جديدة له. وهنا تبدأ الغابة الحقيقية: ليس عندما تفسد القرود الحقل، بل عندما يتوقف أهل الحقل عن طرح السؤال: لماذا؟
في النهاية، لا يهم الحقل إن كانت القرود متخاصمة أم متصالحة. الحقل لا يعرف أسماء الأحزاب، ولا يفهم لغة التحالفات، ولا يهتم بمن انتصر في معركة النفوذ. إنه يعرف شيئًا واحدًا: هل بقي فيه زرع أم لا؟ ولهذا فإن التاريخ لا ينبغي أن يُقرأ فقط من خلال أسماء الحكام، بل من خلال ما تركوه وراءهم. قد يرحل السياسي، وينتهي الحزب، ويتغير الشعار، لكن آثار الخراب تبقى. قد تُرمَّم الأبنية، لكن ترميم الثقة أصعب، وقد تعود الأموال، لكن إعادة السنوات الضائعة ليست ممكنة.
ولهذا فإن المعضلة ليست في أن تتشاجر القرود، ولا في أن تتصالح؛ المعضلة أن الحقل لا يزال تحت رحمتها. إذا تشاجرت أفسدته، وإذا تصالحت أكلت محصوله. أما الحل فلا يكمن في انتظار قرود أكثر رحمة، بل في بناء نظام يجعل الحقل محميًا حتى من القرود التي تظن أنها تملكه.
فالوطن ليس محصولًا ينتظر من يحصده، والسلطة ليست ملكيةً شخصية، والدولة ليست غابة، والشعب ليس مجرد فلاحٍ يقف خارج السور منتظرًا نهاية الشجار.
الدولة الحقيقية هي التي تجعل السلطة خادمةً للحقل، لا مالكةً له؛ وتجعل القانون أعلى من القرود، والمؤسسات أقوى من التحالفات، والمواطن صاحب الحق في المحصول لا متفرجًا على من يأكله.
وعندها فقط يصبح الاتفاق اتفاقًا على بناء الحقل، ويصبح الاختلاف اختلافًا على أفضل طريقةٍ لحمايته. أما أن يكون الخلاف على من يملك المنجل، والاتفاق على من يأكل المحصول، فليست تلك سياسة.
إنها غابة… تُديرها أهواء القرود.

