أحياناً لا تغيّر كلمة واحدة قاموس اللغة ، لكنها تغيّر قاموس السياسة كله .
فقد يكون الاعتراف مفتاحاً يفتح باباً ظل مغلقاً لعقود ، لكنه لا يضمن وحده أن يبقى الباب مفتوحاً .
وهنا يبدأ السؤال الذي لا يمكن تأجيله :
هل يكفي الاعتراف بالحقوق من دون ضمانات ؟
لا أطرح هذا السؤال للتقليل من قيمة ما تحقق ، ولا بحثاً عن ثغرة في خطوة إيجابية .
على العكس ، فالاعتراف خطوة مهمة ، وربما يكون بداية لمسار طال انتظاره .
لكن السياسة علمتنا ألا نكتفي بالاحتفال بفتح الباب ، بل أن نسأل أيضاً :
من يملك المفتاح ؟
ومن يضمن ألا يُغلق غداً ؟
هنا تحديداً تبرز الحالة الكردية في سوريا .
خلال العام الحالي شهدنا خطوات سياسية وقانونية تحمل دلالات مهمة .
فقد نص المرسوم رقم 13 لعام 2026 على اعتبار المواطنين السوريين الكرد جزءاً أصيلاً من الشعب السوري ، والاعتراف بالهوية الثقافية واللغوية الكردية جزءاً من الهوية الوطنية السورية، واعتبار اللغة الكردية لغة وطنية ، مع السماح بتدريسها في المناطق التي يشكل فيها الكرد حضوراً ملحوظاً .
كما ألغى الإجراءات الاستثنائية المرتبطة بإحصاء عام 1962 ، ونص على منح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية وفق أحكامه .
ليست هذه تفاصيل عابرة ، وقد تكون البداية فقط ، لكن الطريق الطويل لا يبدأ إلا بخطوة أولى .
لذلك فإن الترحيب بهذه الخطوات لا يتعارض مع السؤال الأهم :
وماذا بعد ؟
فالمرسوم الذي أعلنه الرئيس المؤقت أحمد الشرع لم يقتصر على الإعلان ، بل تحدث أيضاً عن آليات للتنفيذ ، وبدأت بالفعل إجراءات في وزارة التربية تتعلق بالمناهج وإعداد الكوادر الخاصة بتدريس اللغة الكردية .
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية .
فالمرسوم يستطيع أن يفتح الباب ،
لكنه لا يحسم مصير ما وراءه .
والتجارب السياسية تعلمنا أن الاعتراف يكتسب صلابة أكبر عندما يتحول إلى قواعد ملزمة لا إلى نوايا حسنة .
فالاعتراف يقر بوجود الحق ،
والقانون ينظم كيفية ممارسته ،
أما الضمانة فهي أن يبقى هذا الحق قائماً حتى لو تغيرت الحكومات وتبدلت الظروف السياسية .
وهنا يكمن الفارق الذي يستحق التوقف عنده .
فالحقوق التي تعتمد على مزاج حكومة ،
أو إرادة مسؤول ، أو خصوصية مرحلة انتقالية ، تبقى معرضة لأن تصبح رهينة لتلك المرحلة .
أما عندما تدخل في صلب القانون والدستور والمؤسسات ، فإن المواطن لا يعود مضطراً إلى انتظار من يعترف بحقه في كل مرة .
وهذا ليس سؤالاً كردياً فقط ، بل سؤال عن شكل الدولة التي تريد سوريا أن تبنيها .
فإذا كانت سوريا الجديدة تريد بالفعل أن تختلف عن سوريا الأمس ، فإن القضية لا تتعلق فقط بمن يشغل المناصب أو بمن يوقع المراسيم ، بل بطريقة بناء الدولة نفسها .
دولة يكون فيها العربي والكردي والسرياني والآشوري وسائر المواطنين متساوين أمام القانون ، لا لأن أحداً تفضل عليهم بذلك ،
بل لأن المواطنة أصبحت قاعدة قانونية لا تحتاج إلى إذن سياسي كي تستمر .
ومن هنا لا ينبغي أن يتوقف النقاش عند سؤال :
هل اعترفت الدولة بالكرد ؟
بل عند سؤال أكثر عمقاً :
كيف سيُترجم هذا الاعتراف في الدستور ؟
وهل ستصبح الحقوق الثقافية واللغوية جزءاً واضحاً من البناء الدستوري ؟
وهل ستنشأ مؤسسات وآليات قانونية تجعل تطبيق هذه الحقوق أمراً طبيعياً ، لا معركة سياسية تتكرر مع كل تغيير في السلطة ؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من قيمة ما تحقق ، بل ربما تكون الطريقة الوحيدة لضمان استمراره .
ولعل التصريحات التي تصدر بين فترة وأخرى حول اللغة الكردية ومستقبل الحقوق الكردية تحمل رسائل إيجابية تستحق التوقف عندها ، لكنها تبقى تصريحات إلى أن تتحول إلى نصوص دستورية واضحة ، ومؤسسات تعمل ، وآليات يستطيع المواطن أن يلمس أثرها في حياته اليومية .
فالسياسة لا تُقاس فقط بما يقوله السياسيون ، بل بما تستطيع الدولة أن تثبته على الأرض .
وعندما يطالب الكرد بضمانات دستورية وقانونية ، فإنهم لا يطلبون أن يكونوا خارج الدولة ،
بل أن تصبح حقوقهم جزءاً من بنيتها القانونية .
وهناك فرق كبير بين دولة تمنح الحقوق ، ودولة تحمي الحقوق ؛ ففي الأولى ينتظر المواطن من يمنحه ، وفي الثانية يصبح القانون هو المرجع .
لقد عرفت سوريا خلال عقود طويلة كيف يمكن لقرار سياسي أن يفتح باباً ، ثم يأتي قرار آخر ليغلقه .
ولهذا فإن بناء سوريا الجديدة يحتاج إلى أكثر من تغيير الأشخاص والمناصب ، ويحتاج إلى قواعد تجعل بقاء الحقوق أقل ارتباطاً بمن يحكم ، وأكثر ارتباطاً بما يحكم .
وإذا كانت التطورات الحالية قد فتحت نافذة جديدة أمام القضية الكردية ، فالمطلوب ألا نبقى واقفين أمام النافذة نتأمل المشهد ، بل أن تتحول النافذة إلى باب ، والباب إلى طريق ، والطريق إلى نص دستوري واضح ، ثم إلى مؤسسات تجعل الحق ممارسة يومية لا مناسبة سياسية .
فالاعتراف بداية ،
والقانون خطوة ،
والدستور ضمانة .
أما الضمانة الحقيقية ، فهي أن يصبح التراجع عن الحق أصعب من الاعتراف به .
وربما لهذا نعود إلى الكلمة الأولى التي بدأنا منها .
قد يكون الاعتراف مفتاحاً يفتح باباً ظل مغلقاً لعقود .
لكن بعد أن يُفتح الباب ، يبقى السؤال الأهم :
من يضمن ألا يُغلق مرة أخرى ؟
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

