جدلية السيف والمبدأ: كيف تصنع العقائد خلود الأمم وتتحول الترسانات العسكرية إلى هياكل صماء؟- بقلم: صبيح الكعبي

بسم الله الرحمن الرحيم: {أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ}.

 يقود هذا التدبير الإلهي المحكم إلى وعي استراتيجي عميق التقطه المؤرخ والفيلسوف “ويل ديورانت” حين أدرك مسارات التاريخ واستنتج أن “المدنيّات لا تولد من القوة العسكرية، بل من الأفكار التي تلهم القلوب”، وهو ذات المعنى الفلسفي الذي أصلت له الذاكرة العربية شعراً في نقد الاتكال على محض العنان المادي دون عماد قيمي، حين قال أبو تمام:
السَّيفُ أَصدَقُ أَنباءً مِنَ الكُتُبِ … في حَدِّهِ الحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَّعِبِ
بيضُ الصَفائِحِ لا سودُ الصَحائِفِ في … مُتونهِنَّ جَلاءُ الشَكِّ وَالرِيَبِ

حيث يتجلى في هذا المطلع عمق النزاع بين ظاهر القوة الباطشة وبواطن القضايا التي تمنح تلك القوة شرعيتها أو تكشف عوراتها. إن المتأمل في مسيرة البشرية وصيرورة الدول يقف أمام هذه الحوارية الأزلية الصاخبة، وطرفاها العتاد الحسي والمبدأ الذهني؛ إذ طالما ساد وهم بأن الترسانات والوفرة الاقتصادية هما الصانعان الأوحدان للأمجاد، وأن مصائر المجتمعات تُخط حصراً بمداد الغلبة العضلية، غير أن الاستقراء الدقيق لحركة الزمان يبرهن على حقيقة مغايرة، فالأدوات المادية تؤول حتماً إلى الزوال بالتقادم والاستهلاك، في حين أن العقيدة —بمفهومها الشامل كفكرة، أو مبدأ, أو إيمان بالقضية— تمثل طاقة كامنة تمتلك قدرة استثنائية على الانبعاث من الرماد، وتوليد العزم من رحم الانكسار، مما يجعلها المحرك الفعلي للمنعطفات الكبرى والصانع الأبقى للشعوب.

ولعل السر في رجوح كفة الثابت المعنوي على المتحول الصارم يعود إلى بواطن الإنسان الذي يحرك تلك الأدوات والدافع النفسي المهيمن عليه، فالإمكانات المادية تؤثر في السلوك الظاهري وتفرض طاعة مؤقتة يغذيها الوجل أو الطمع، بينما تتغلغل القناعات داخل الوعي الإنساني لتغدو دافعاً ذاتياً صلباً. وحين تؤمن الجماعة بقضية ما، يتجاوز أفرادها مربع الاستجابة للضغوط إلى أفق التضحية الطوعية. في هذا السياق، يقدم التاريخ شواهد راسخة، لعل أبرزها القيمة الفكرية لثورة الإمام الحسين بن علي في كربلاء، والتي تمثلت في صراع قيمي حاد بين عقيدة رسالية تتسامى عن العواجل الفانية، وبين اندفاعة جيش يزيد بن معاوية المحكومة بحب الدنيا والتمسك بالمكاسب والمناصب المؤقتة. ورغم أن النتائج المباشرة على الأرض انجلت عن تفوق عسكري جلي لصالح السلطة القائمة، إلا أن المدى الزمني أثبت أن الأثر الروحي والخلود الأخلاقي بقي مقصداً ملهماً عبر العصور لأن عقيدة التضحية أورثت نهجها البقاء، بينما تلاشت آلة الحكم المبنية على المنافع المادية في طيات النسيان، مما يبرهن على أن غياب القضية يحول الجيوش إلى هياكل صماء، بينما يحول الإيمان بالموقف الوسائل البسيطة إلى روافع للتغيير.

وينسحب هذا التحليل بالضرورة على تجارب العصر الحديث وحركات التحرر التي اتكأت على الهوية الوطنية كمصد وعامل صمود، ويتجلى ذلك بوضوح في الثورة الجزائرية؛ حيث وقفت الهوية المتمسكة بالأرض حائط صد منيعاً أمام آلة فرنسية مدججة بإمكانات حلف شمال الأطلسي، لتنتهي المواجهة برحيل القوة العسكرية أمام إصرار الإرادة الشعبية. وفي السياق ذاته، برزت معجزة النهوض في ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، فرغم الاستسلام التام والدمار الشامل، نهض البلدان من تحت الركام بفضل عقيدة الإعمار والهوية الجمعية التي لم تنجح الطائرات في إبادتها، مما يؤكد أن زوال العتاد لا يعني نهاية الأمم ما دامت الفكرة الحاضنة حية في النفوس.

وعند نقل عدسة المشاهدة إلى الاستراتيجيات السياسية المعاصرة، تبرز جدلية الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران كنموذج حي للاشتباك بين الهيمنة المادية والصمود العقدي. فرغم الفارق الهائل في موازين القوى الاقتصادية والتقنية لصالح واشنطن، وسياسات الحصار الطويل، إلا أن تمازج الهوية القومية الفارسية التاريخية مع العقيدة الدينية الصلبة منح الشارع وصانع القرار في إيران قدرة عالية على المناورة والتحمل، معطلاً بذلك الأهداف الكبرى لآلة الضغط الأمريكية، ومثبتاً أن العقائد المركبة تمثل درعاً يستعصي على الكسر، وهذا التماسك العقدي هو ذاته الذي افتقده الاتحاد السوفيتي السابق؛ فبالرغم من امتلاكه لأكبر ترسانة نووية، تداعى الكيان وتفكك من الداخل دون رصاصة واحدة بمجرد أن ماتت الأيديولوجيا السياسية في قلوب شعوبه، ليصبح ذلك الجسد العملاق بلا نبض يحميه.

وفي منتصف الطريق بين الماضي والحاضر، يخلص المشهد التاريخي إلى أن القوة المادية، على أهميتها الكبرى كأداة ردع وحماية، تظل وسيلة صماء محكومة بالفناء ما لم تسندها روح فكرية وعقيدة راسخة توجّه مسارها وتمنحها الشرعية، فالقوة تحكم الأجساد في لحظتها الراهنة، أما العقيدة فتملك العقول وتصنع المستقبل، وتبقى الحتمية التاريخية تشير إلى أن القلاع قد تسقط، والمدن قد تهدم، لكن الفكرة الحية لا تموت بل تبني الأمجاد التي تدوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *