في تاريخ الشعوب لحظاتٌ فارقة تُختبر فيها الصلابة، وأخرى تُختبر فيها الأمانة. وحين نلتفت اليوم إلى الأدبيات والشهادات التي أعقبت زلزال اعتقال السيد عبد الله أوجلان، نطالع مسرحًا عبثيًا يسوده الدجل السياسي؛ مشهدًا لا ينتهي فيه الحدث عند وقوعه، بل يبدأ فيه سباقٌ محموم لإعادة اختراع الماضي، حيث يتزاحم الأدعياء وتجار الشفاهيات لحجز مقاعد متأخرة في قطار البطولة، وتلوين الحكاية بظلال لم تكن موجودة يوم كانت الشمس ساطعة.
وفي هذا الفضاء المستعاد، يتجلى تأثير ما يمكن تسميته بـ«نيسانيات أيلول» على تجربة الدكتور محمود عثمان وسلوكه السياسي. والمقصود بـ«نيسانيات أيلول» هنا ليس مجرد أكاذيب تُقال في نيسان، بل نمط من الروايات التي تُصاغ بعد وقوع الأحداث، فتُضخَّم فيها الأدوار وتُستعاد من خلالها بطولات لم تكن ظاهرة في لحظة الاستحقاق. وقد شكّلت ثورة أيلول، بما خلّفته من إرث سياسي وذاكرة مثقلة بالصراعات، بيئةً خصبة لترسيخ هذا النوع من السرديات داخل الوعي الكوردي؛ روايات تحولت إلى وسيلة لإعادة توزيع الأدوار وصناعة أمجاد متأخرة، حتى أصبح بعض أصحابها يسوّقون أدوارًا متخيَّلة ونصائح لم تظهر قيمتها إلا بعد فوات الأوان.
ومن هنا يبرز اسم الدكتور محمود عثمان تحديدًا؛ إذ إن الحديث لا يتوقف عند حدود الادعاء بلقاء قديم أو نصيحة عابرة، بل يتجاوزه إلى رواية أثارت الجدل في الشارع الكوردي حين يُنسَب إليه قوله إن السيد عبد الله أوجلان، وهو في سجنه وفي قبضة معزله، راسله وسأله: «بماذا تنصحني أن أفعل وأنا في المحكمة؟»، فيجيبه عثمان بضرورة التحدث باللغة الكوردية وطلب مترجم!
وهنا يبرز السؤال المنهجي والأخلاقي: ما الذي يجعل هذه “النصيحة”، بعد كل تلك السنوات، تُقدَّم بوصفها شهادة على دور سياسي استثنائي؟ كيف يُراد للوعي الجمعي أن يبتلع رواية تُنسب إلى ظروف معزلٍ مشدد دون وثيقة أو تسجيل أو أثر يُثبتها؟ ولماذا تظهر هذه البطولة الشفاهية عبر الشاشات والصحف بعد عقود، بينما أظهرت الوقائع والمحاكمات علنًا عكس ذلك تمامًا؟ إن الاستشهاد بأحداث ومواقف يستحيل التحقق منها لغياب أطرافها خلف الأسوار هو أشبه بـ«الاستشهاد بأسماء الموتى والغائبين»؛ استغلال لظرف السجين لصناعة دور الناصح الأمين، دون أن يملك الراوي سندًا واحدًا يصمد أمام النقد والتحقيق.
بل إن كان الدكتور محمود عثمان وغيره من أصحاب تلك «النصائح» صادقين في رواياتهم، فكان الأحرى بهم، في زمن الاستحقاق، أن يذهبوا إلى جبال كوردستان وأن يقفوا بين صفوف الثوار، وأن يملؤوا الفراغ مكان السيد عبد الله أوجلان، ومن قلب الميدان والشرف النضالي يقدّموا نصائحهم وتوجيهاتهم، لا من فنادق الشتات وصالونات الترف المريحة. فالموقف السياسي لا يُقاس فقط بما يقوله صاحبه بعد انتهاء المعركة، بل بما كان مستعدًا لتحمّله عندما كان الحدث قائمًا.
ولستُ هنا بمقام المحامي عن السيد عبد الله أوجلان، ولا أبتغي الدفاع عن أشخاص أو تحزبات، وإنما أرى أن واجبنا الأخلاقي والقومي يفرض علينا أن نعيد البوصلة إلى الحقيقة، وأن نحمي الذاكرة الكوردية من أن تتحول إلى ساحة مفتوحة لصناعة البطولات. فالقضية ليست الدفاع عن شخص ضد آخر، وإنما الدفاع عن حق التاريخ في أن يُروى كما وقع، لا كما يرغب البعض في أن يُروى.
ولا تقف المشكلة عند حدود الرواية المتعلقة بالدكتور محمود عثمان، بل تمتد إلى بيئة إعلامية ساهمت في تدوير الشائعات وإعادة إنتاج «أكاذيب نيسان»، حتى غدت بعض الروايات، من كثرة تكرارها، شبه حقيقة في الوعي العام. حين يُقال إن فلانًا نصح أو إن فلانًا وجّه، ثم تتكرر الرواية دون سند أو وثيقة أو تسجيل، فإن تكرارها لا يمنحها الشرعية. فالتاريخ لا يُبنى على شهرة الراوي، ولا على عدد المرات التي ظهرت فيها القصة على الشاشات، وإنما على الوثيقة والشهادة والوقائع التي يمكن التحقق منها.
ولهذا فإنني أهيب بقومي وأطالب أبناء شعبي بأن يكونوا أكثر حزمًا في طلب الأدلة والوثائق من كل من يتحدث عن أحداث تاريخية حساسة. إن أخطر ما يهدد الوعي الكوردي اليوم ليس أن ننسى ما حدث في إمرالي أو قبلها، بل أن نُحقن بذاكرة زائفة؛ أن نستبدل التوثيق بالخرافة، والشهادة بالادعاء، والحقيقة بالرواية التي يفرضها الشفاهيون. فالذاكرة الوطنية ليست مزادًا لبيع الأوهام، والتاريخ لا يُكتب بكذبة تُكرَّر حتى تصبح مألوفة، بل بحقيقة تستطيع أن تصمد أمام السؤال والوثيقة والزمن.

