حين تطغى السياسة على إنسانية الناجين: قراءة نقدية في تغطية حادثة فلاي دبي- د. مالك الجبوري

صعد ركاب رحلة «فلاي دبي» من دبي إلى تل أبيب إلى طائرة مدنية، متوقعين الوصول إلى وجهتهم، فإذا بهم يعيشون لحظات خوف انتهت بهبوط اضطراري في مطار تبوك بالسعودية. أكدت الشركة وقوع مشاجرة داخل قمرة القيادة، بينما تحدثت السلطات الإسرائيلية عن اعتداء أحد الطيارين على زميله ومحاولة إسقاط الطائرة، قبل تدخل ركاب وأفراد من الطاقم. وبين الوقائع المؤكدة والروايات التي تنتظر نتائج التحقيق، تبقى حقيقة إنسانية لا ينبغي أن تضيع: أشخاص واجهوا خطر الموت، وكان واجب الجميع إنقاذهم وحمايتهم، بصرف النظر عن جنسياتهم.

إذا أثبت التحقيق أن أحد الطيارين حاول إسقاط الطائرة عمدًا، فإننا أمام محاولة قتل جماعي. أما تحديد الدافع، أكان سياسيًا أم عقائديًا أم شخصيًا، فيحتاج إلى أدلة لا توفرها التخمينات. من الضروري التمييز بين إدانة الفعل وتفسيره؛ فانتظار نتائج التحقيق لا يفرض الصمت الأخلاقي، كما أن بشاعة الواقعة لا تمنحنا حق اختراع دوافعها.

ولا تتغير هذه الإدانة إذا كان الركاب إسرائيليين. المدني لا يفقد حقه في الحياة بسبب جواز سفره، ولا يصبح مسؤولًا عن قرارات حكومته لمجرد انتمائه إلى بلدها. يمكن إدانة سياسات الحكومة الإسرائيلية وجرائمها بحق الفلسطينيين، والمطالبة بمحاسبة المسؤولين عنها، دون تحويل كل إسرائيلي إلى هدف للانتقام. إن الدفاع عن حقوق الفلسطينيين يستمد قوته من رفض الظلم والقتل والعقاب الجماعي، ومن ثم لا يستقيم التخلي عن هذه المبادئ حين يتعلق الأمر بمدنيين من الجانب الآخر.

في هذا السياق، يستحق مقال الجزيرة المعنون «كيف تجلي السعودية ركاب فلاي دبي إلى إسرائيل في غياب العلاقات الرسمية؟» قراءة نقدية. فمن المشروع أن تتناول الصحافة إجراءات نقل الركاب والتنسيق بين الدول، لكن النص يجعل غياب العلاقات الرسمية محورًا دراميًا للقصة، ويستخدم تعبيرات توحي بأن وجود الناجين في السعودية أصبح أزمة سياسية معقدة، بينما يتضمن هو نفسه معلومات عن رعايتهم وتأمين طائرة بديلة لمغادرتهم.

تظهر المشكلة أولًا في ترتيب المعلومات. يبدأ المقال بالحديث عن تصاعد التساؤلات حول مصير المسافرين، ثم يذكر بدء صعودهم إلى الطائرة، وينقل عن وكالة الأنباء الفرنسية أنهم غادروا إلى تل أبيب. لكنه يعود بعد ذلك إلى سيناريوهات الإجلاء، وإلى وجود الركاب في صالة المسافرين. قد تكون هذه المعلومات قد وردت تباعًا خلال ساعات الحادث، إلا أن جمعها دون توضيح توقيتها يربك القارئ، ويُبقي الأزمة مفتوحة في ذهنه بعد ورود خبر مغادرة الركاب. تحديث الأخبار لا يعني إضافة فقرة جديدة فقط؛ بل يقتضي إعادة ترتيب النص وفق ما استجد.

كما يحتاج القول إن إسرائيل وجدت نفسها أمام واقع «يمنعها من التدخل المباشر أو إرسال طائراتها»، وإن الإجلاء يجري عبر «ممر إقليمي ودولي ملتوٍ»، إلى توثيق وتفسير. هل المقصود صعوبة الحصول على تصريح لطائرة عسكرية؟ أم وجود مانع أمام أي طائرة إسرائيلية؟ وما الذي يجعل إرسال شركة الطيران طائرة بديلة مسارًا «ملتويًا»؟ هذه مسائل مختلفة، ولا يجوز دمجها في وصف فضفاض يضخم التعقيد دون أن يشرحه.

وينطبق الأمر نفسه على الحديث عن الدور الأمريكي. ينسب المقال بعض المعلومات إلى وسائل إعلام إسرائيلية، ثم ينتقل إلى صيغة تقريرية تفيد بأن الولايات المتحدة ترعى التنسيق وتسهله. قد تكون اتصالات قد جرت فعلًا، لكن النص لا يقدم تصريحًا أمريكيًا أو سعوديًا واضحًا يتيح للقارئ معرفة طبيعتها ومدى ضرورتها. النقد هنا لا يقوم على نفي الوساطة، بل على المطالبة بإسناد الادعاء إلى مصدر محدد، والتمييز بين خبر مؤكد وسيناريو كان مطروحًا.

الأكثر إشكالًا هو وصف نداء الاستغاثة في خاتمة المقال بأنه «خاطئ»، والقول إنه «اتضح» أن شجارًا بين الطاقم تسبب فيه. هاتان الكلمتان توحيان بحسم لم يقدمه النص بأدلة كافية. فإذا كانت أسباب العنف وما جرى داخل قمرة القيادة لا تزال موضع تحقيق، فمن السابق لأوانه اختزال الحادث في شجار أو الجزم بأن التحذير الأمني كان خطأ. المطلوب هو عرض ما أكدته الشركة، ونسبة الروايات الأخرى إلى أصحابها، وترك المسائل غير المحسومة مفتوحة للتحقيق.

في المقابل، يذكر المقال أن مطار تبوك أعلن نقل الطيارين المصابين إلى المستشفى، وأن الركاب تلقوا الرعاية اللازمة. وبحسب التغطية التي شاهدتها على التلفزيون الفرنسي، عومل الركاب باحترام، وأدى الطاقم الطبي عمله بصورة جيدة، ثم وصلوا إلى تل أبيب، حيث ظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي في استقبالهم. وهذه المعلومات تستحق أن تكون في مقدمة المشهد الإنساني، مع مراعاة توقيت نشر كل خبر وتحديثه.

فاستقبال طائرة مضطرة للهبوط، وعلاج المصابين، ورعاية المسافرين، أعمال تستحق الإشادة. وهي لا تعني تبني سياسات الحكومة الإسرائيلية، ولا تتطلب اتفاقًا معها. لقد وجد مدنيون أنفسهم في ظرف خطر، وتلقوا المساعدة. هذا هو المعيار الذي ينبغي الدفاع عنه عندما يكون المحتاج إلى الإنقاذ فلسطينيًا أو إسرائيليًا أو من أي جنسية أخرى.

ولا يكفي هذا المقال وحده للحكم على نيات كاتبه أو القول إنه تعمد نشر الكراهية. لكن من حق القارئ مساءلة أثر اللغة المستخدمة: هل تساعده على فهم ما حدث، أم تدفعه إلى رؤية كل إجراء إنساني من خلال خصومة سياسية؟ وهل تضع سلامة الناجين في مركز القصة، أم تجعل هويتهم سببًا لاستدعاء الشك والقلق؟ يمكن نقد هذه الاختيارات بوضوح دون اتهام النيات بما لم يثبت.

للصحافة مسؤولية مضاعفة حين تغطي حادثة تتصل بإسرائيل وفلسطين والمنطقة. عليها أن تحافظ على الدقة، وأن تقاوم إغراء الإثارة، وأن تميز بين المدنيين والحكومات. أما نحن، فلا ينبغي أن نسمح للغضب السياسي بأن يحدد من يستحق النجاة ومن يجوز الشماتة به.

لقد واجه ركاب هذه الطائرة خطرًا جسيمًا، ولا تزال تفاصيل ما جرى بحاجة إلى تحقيق. لكن حقهم في الحياة لم يكن يومًا موضع سؤال. إنسانية الفلسطيني والإسرائيلي وسائر البشر ليست حصصًا متنافسة؛ والدفاع عن إحداها لا ينتقص من الأخرى. وما يستحق الإدانة، إذا ثبت، هو محاولة قتل المدنيين، وما يستحق التقدير هو إنقاذهم ورعايتهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *