لم تكن نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية التي جرت في الثالث من نوفمبر 2026 مجرد منافسة انتخابية تقليدية بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بل حملت في طياتها مؤشرات سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود الداخل الأمريكي، لتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة ترتيب موازين القوى داخل واشنطن، وما قد يترتب على ذلك من انعكاسات على ملفات الشرق الأوسط، وفي مقدمتها إيران والعراق وإقليم كوردستان. فقد تمكن الحزب الديمقراطي، وفق النتائج التي أعلنتها وسائل الإعلام الأمريكية، من انتزاع السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، في تحول يشكل ضربة سياسية مهمة للرئيس دونالد ترامب وحزبه الجمهوري، ويضع الإدارة الأمريكية أمام واقع مختلف خلال العامين الأخيرين من ولايته.
وهذه النتيجة لا يمكن قراءتها بمعزل عن الظروف التي سبقتها، إذ تداخلت فيها عوامل اقتصادية تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة، وحالة الاستياء من أداء الإدارة، فضلاً عن تداعيات الحرب مع إيران وما أثارته من تساؤلات بشأن كلفتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية على الولايات المتحدة. إن أهمية هذه الانتخابات لا تكمن فقط في خسارة الجمهوريين للأغلبية التشريعية، وإنما في طبيعة المرحلة التي جاءت فيها. فترامب الذي دخل ولايته الثانية مستنداً إلى سيطرة حزبه على المؤسسات التشريعية، سيجد نفسه اعتباراً من يناير 2027 أمام كونغرس تسيطر عليه المعارضة الديمقراطية، بما يعنيه ذلك من اتساع مساحة الرقابة والمساءلة والتحقيقات السياسية، فضلاً عن تعقيد تمرير التشريعات والميزانيات والقرارات التي تحتاج إلى موافقة الكونغرس.
ومع أن خسارة الأغلبية لا تعني تجريد الرئيس من صلاحياته الدستورية في إدارة السياسة الخارجية أو ممارسة دوره قائداً أعلى للقوات المسلحة، فإنها تضع أمامه قيوداً سياسية وتشريعية إضافية، وتجعله أكثر عرضة للمساءلة بشأن القرارات التي يتخذها، ولا سيما تلك المتعلقة بالحرب والإنفاق العسكري.
ومن هنا تبرز إيران بوصفها أحد الأطراف الإقليمية التي قد تراقب هذه التحولات باهتمام بالغ، ليس لأنها كانت طرفاً في صناعة النتائج الانتخابية، إذ لا توجد أدلة تثبت ذلك، وإنما لأن طبيعة الانقسام السياسي الأمريكي قد تتيح لها فرصاً جديدة لإعادة حساباتها. فحين تصبح الحرب موضع خلاف داخلي، وترتفع كلفتها الاقتصادية والسياسية، وتتعاظم الضغوط على الإدارة الأمريكية لتقديم تفسيرات بشأن أهدافها ونتائجها، فإن هامش المناورة أمام الخصم قد يتسع، وتصبح الخيارات الدبلوماسية أكثر حضوراً في النقاش السياسي. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى نتائج الانتخابات باعتبارها مكسباً سياسياً محتملاً لطهران، وليس انتصاراً إيرانياً مباشراً. فإيران قد تحاول استثمار تراجع الغطاء السياسي الذي كان يتمتع به ترامب داخل الكونغرس، وتوظيف الضغوط الداخلية الأمريكية لتحسين موقعها في أي مفاوضات مقبلة، سواء تعلق الأمر بالعقوبات الاقتصادية أو بالبرنامج النووي أو بمستقبل الوجود والنفوذ الأمريكي في المنطقة. غير أن ذلك لا يعني أن الديمقراطيين سيتبنون سياسة متساهلة تجاه إيران، أو أنهم سيعملون بالضرورة على إنهاء العقوبات أو التخلي عن المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط. فداخل الحزب الديمقراطي نفسه توجد اتجاهات متعددة، بعضها يفضل الحلول الدبلوماسية وتجنب المواجهة العسكرية المفتوحة، وبعضها الآخر يتمسك بمواقف متشددة تجاه طهران، فضلاً عن استمرار الاعتبارات الأمنية والاستراتيجية المرتبطة بالعلاقة الأمريكية الإسرائيلية. ولذلك فإن الرهان الإيراني، إن وجد، لن يكون على تغيير الحزب الحاكم في واشنطن، لأن الحزب الديمقراطي لم يصل إلى البيت الأبيض، بل على الاستفادة من تغير موازين القوى داخل المؤسسة التشريعية، وما يمكن أن ينتج عنه من ضغوط على الإدارة الأمريكية. كما أن قدرة الكونغرس على التأثير في السياسة العسكرية ليست مطلقة، فالرئيس يحتفظ بصلاحيات تنفيذية مهمة، بينما تخضع الميزانيات والتشريعات والقرارات طويلة الأمد لحسابات دستورية وسياسية معقدة. وهذا التمييز ضروري لفهم ما يمكن أن يتغير فعلاً، بعيداً عن المبالغة في تفسير النتائج الانتخابية.
أما على مستوى العراق، فإن انعكاسات هذا التحول قد تكون أكثر حساسية، نظراً إلى طبيعة العلاقة المتشابكة بين واشنطن وطهران، وما تفرضه من توازنات على المشهد السياسي والأمني العراقي. فالعراق ظل خلال السنوات الماضية إحدى الساحات التي تتقاطع فيها المصالح الأمريكية والإيرانية، وأي تصعيد بين الطرفين ينعكس على الاستقرار الداخلي، وعلى أمن المؤسسات والمصالح الأجنبية، وعلى قدرة الحكومة العراقية في إدارة علاقاتها الخارجية بصورة متوازنة. وإذا أسهمت الضغوط السياسية داخل الولايات المتحدة في دفع الإدارة نحو مراجعة خياراتها العسكرية والبحث عن مسارات تفاوضية، فقد تنخفض احتمالات اتساع المواجهة على الأراضي العراقية، وهو ما يمكن أن يوفر فرصة لتخفيف التوترات التي تحمل البلاد أعباءً أمنية واقتصادية وسياسية متزايدة. وفي المقابل، لا يمكن استبعاد احتمال آخر يتمثل في أن يؤدي الصراع بين البيت الأبيض والكونغرس إلى إرباك بعض مسارات السياسة الأمريكية الخارجية، أو إلى اختلاف الأولويات بين المؤسسات الأمريكية. وهذا قد ينعكس على طبيعة التعامل مع الملفات

