تصادم الفلسفتين- د. عبدالباقي مایی

 

٦ \١١\ ٢٠٢٥ 

 

لا تزال الفلسفة الفاشیة فی تركیا، بركنیها العنصری الطورانی والنوستالجی العثمانی، تطغی علی بنیة الدولة فی تركیا الحدیثة. لأن الفلسفة الفاشیة المبنية علی الفكر العنصري للقومیین الأتراك مندمجة مع العقيدة الدینیة الراسخة فی الإسلام السیاسی لدی القومیین المسلمین الأتراك. هذه الثنائية تجد فی نوستالجیا أطلال الإمبراطورية العثمانية وسيلة لتسویق ذاتها للتتفاهم مع المبادئ والأنظمة الرأسمالية السائدة فی العالم المتحضر، مما یمكنها من بناء شبكة من القوی المالیة والتجاریة المتحكمة عالميا، لكی تضمن إستمرارها فی ممارسة سلطتها وإستغلال نفوذها السیاسی والإقتصادي. و بهذا تستمر هذه الأنظمة والسلطات فی ممارسة سلطاتها وإستغلال قواتها فی إضطهاد شعوب واسعة مغلوبة علی أمرها، منهكة بالجهل والتأخر والفقر والحرمان، إضافة إلی الحروب البشرية والكوارث الطبیعیة.

هذه الفلسفة الفاشیة العريقة والراسخة فی تكوین دولة تركيا منذ نشأتها، ككیان متفق عليه من قبل القوی المنتصرة بعد الحرب العالمية الأولی، هی ذاتها الفلسفة التی قامت عليها معظم الدول القومية فی العالم بعد تلك الحروب التی أدت إلی الحربین العالميتين الأولی والثانية. و تركيا المعاصرة لا تزال تستمد مقومات وجودها و استمراريتها من هذه الفلسفة الفاشیة التی لا تزال معظم الدول القومية تتخذها ركنا جوهريا فی بنائها و ديمومتها.

إلی جانب العنصرية القومية التركية كأساس مبدئي لبناء دولة تركیا، ینضم الإسلام السیاسی فی تركیا لیضیف إلی التطرف القومي العنصري بعدًا جدیدا من التطرف السیاسی مبنيا علی إتخاذ الدين منهجا لحياة الدنیا بدلا من العلم والمعرفة. وذلك بمحاولة تحويل الدين من علاقة روحية بین الفرد و ربه إلی برنامج سیاسی مغلق لا یسمح بالتطور أو التغییر، فیهیئ هذا البرنامج السیاسی ركنا آخر من أركان التطرف والتعصب یضیف إلی الركن العنصري القومي، وبذلك یتعزز التطرف ویتصلب الموقف الفاشی، مما يجعل تجاوزه أو تفكيكه بالغ الصعوبة.

و من هنا، فإن الفلسفة الفاشیة القديمة المبنية علی العنصرية القومية فی تركيا تتخذ من الدين ركنا مكملا  لها، و ربما أشد تأثيرا من العنصرية القومية نفسها، لأن الهوية القومية قابلة للتغییر و التطور. فالشعور القومي لدی الفرد هو تعبير بدائي عن هويته القابلة للتغییر بينما یستمد التعصب الدینی قوته من فكرة إرتباط الفرد بمطلق غیر قابل للتبديل. وهذه المبادئ الفردية هی التی تكون نواة المجتمع . فكلما بقیت التنظيمات والأحزاب السیاسیة الملتزمة بهذه الفلسفة الشوفینیة، سواء” كانت عنصریة قومية متطرفة أو تعصبا دینیا متطرفا أو كلاهما معا كما هو الحال فی تركيا المعاصرة، فإن السلطة ستظل تستمد تماسكها من هذه البنية الفاشیة لكی تساعدها علی البقاء والإستمرار فی السلطة والحكم.

و لذلك فإن هذه السلطة الحالیة فی تركیا لا تۆمن علیها عندما تظهر بین حین وآخر بإشارات و تصريحات من قيادات الفلسفة الفاشیة الراسخة فی تركیا، ما لم تُتَّخذ خطوات عملية جادة نحو السلام و العدالة و الدیموقراطیة، خصوصا فی التعامل مع التحولات الفكرية العميقة التی تطرحها حركة التحرر الكوردیة، وانتقالها من الكفاح المسلح إلی المقاومة السلمیة.

لا یمكن للخطوات الخجولة فی السياسة التركیة الحالیة تجاه الكورد وكوردستان أن تبنی مجتمعا جدیدا كما تطمح شعوب المنطقة، ما لم تترك تركیا نهجها الفلسفي الفاشی وتذهب إلی الحوار بدلا من الإصطدام الذی لازالت سلطات تركیا تلتزم به ضد الكورد وكوردستان. الفلسفة الفاشیة عفی علیها الزمن و لم یعد یفید نظاما معاصرا فی العالم المتحضر. بينما فلسفة المجتمع الدیموقراطی التعددی المسالم تتوسع فی تربية الأجیال و تزيد من مۆیدیها لیس فی كوردستان و تركیا فحسب بل فی جمیع أنحاء العالم. ولعل بوادر ذلك بدأت بالفعل فی الظهور، كما یتجلی فی النموذج القائم فی “روژئاڤا”، بوصفه تجربة إصلاحية تحمل ملامح مشروع نفسیإجتماعي وهو صاحب الأصلحیة فی سوریا الحدیثة.