في فجرٍ بعيدٍ من فجر الأساطير، خرج رستم، بطل الممالك الفارسية، في رحلة صيدٍ طويلة. ضلّ طريقه بين الجبال حتى وجد نفسه في مدينة «سمنغان»، حيث استضافه الملك في قصره. هناك التقى بالأميرة تَهمينه، فتاةٌ تفيض حُسنًا وشجاعة، قالت له بصوتٍ يقطر صدقًا:
«يا رستم، جئتُ أطلب من البطل ولداً مثله، لا كنزاً ولا تاجاً».
تزوّجا ليلةً واحدة، ومع الفجر شدّ رستم رحاله، تاركاً لها سواراً ذهبياً قائلاً:
«إن كان ما في بطنك ذكراً، فضعي هذا السوار على ذراعه، عسى أن يعرفه أبوه يوماً».
ولِد الطفل سُهراب، وكبر كأن في عروقه نار أبيه. كان قوياً، مهيباً، لا يعرف الخوف. وعندما أخبرته أمه عن أبيه، اشتعل فيه حلم اللقاء، لا ليتقاتلا، بل ليتّحدا ويؤسّسا مملكةً عادلة تملأ الأرض بالسلام.
لكن القدر لا يصغي للأمنيات. فحين علم الملك التوراني «أفراسياب» بأمره، أضمر في قلبه مكيدة، ودفعه نحو الحرب ضد الفرس، وقال له بخبثٍ:
«ستجد أباك هناك، بين صفوف أعدائك».
خرج سهراب يقود جيوشه، شجاعاً لا يُقهر. وفي الضفة الأخرى، كان رستم يتأهّب للمعركة ذاتها. التقى الأب والابن على ساحةٍ واحدة، لا أحد منهما يعرف أن القدر أعمى القلبين عن الحقيقة.
تقدّما نحو بعضهما، وكلٌّ يرى في الآخر خصماً جديراً بالاحترام. اشتدّ القتال، وسقطت الخيول، وارتجفت الأرض تحت وقع السيوف. كان سهراب أسرع وأقوى، كأن الشباب يصفع الشيخوخة، وكاد أن يصرع رستم، لكن الأخير تدارك نفسه بخبرة المحاربين، فطعنه طعنةً نافذة.
سقط الشاب على التراب، والدم يسيل من صدره كزهرةٍ حمراء نبتت في غير أوانها. اقترب رستم ليعرف من هذا الفارس الجميل، فرأى السوار الذهبي على ذراعه. تجمّد، صرخ كمن سقط في هوّةٍ بلا قرار، واحتضن ابنه وهو يهمس ببكاءٍ يفتّت الصخر:
«يا ليتني متُّ قبل هذه الطعنة..!.».
فتح سهراب عينيه وقال بصوتٍ خافتٍ يختنق:
«الآن فقط… عرفتُ أبي».
ثم أغمضهما إلى الأبد.
وبقي رستم جاثياً على ركبتيه، ينظر إلى السيف الذي قتل به ابنه، وكأنه ينظر إلى قدرٍ لا يمكن الهروب منه.
منذ تلك اللحظة، لم يعد بطلاً في أعين نفسه، بل رجلاً مكسوراً حمل في صدره جرحاً لا يندمل.
رمزية الأب والابن في الأدب الفارسي والكردي
قصة رستم وسهراب، كما رواها الفردوسي في الشاهنامة، تتجاوز حدود الأسطورة لتصبح رمزاً فلسفياً عميقاً في الأدب الشرقي. فـ رستم ليس مجرد بطلٍ أسطوري، بل يجسّد السلطة الأبوية، القوة التي تحمي وتؤذي في آنٍ واحد. أما سهراب فهو صورة الجيل الجديد، الطموح المفعم بالحلم، الذي يسعى لتغيير الواقع، لكن يصطدم بجدار التقليد والخوف من فقدان الهيبة.
وهذه الثنائية بين الأب والابن تتكرر في التراثين الفارسي والكردي على حدّ سواء؛ فكلٌّ منهما عانى صراع الهوية والسلطة، بين ماضٍ أسطوريٍ مجيد وحاضرٍ يبحث عن ذاته.
إنّ مأساة رستم وسهراب تُشبه إلى حدٍّ بعيد مأساة الشعوب التي تُحارب أبناءها باسم الشرف أو السياسة، لتكتشف بعد فوات الأوان أن الجرح الأكبر ليس في الجسد، بل في الانفصال بين الأصل والامتداد، بين الذاكرة والحلم.
رستم وسهراب… رمزٌ للهوية الكوردية الحديثة
في القراءة المعاصرة، يمكن أن نرى في رستم صورة الأب التاريخي للشعوب القديمة في الشرق، تلك الهويات التي نشأت على القوة والحماية، لكنها خافت من التغيير.
أما سهراب، فهو الجيل الكوردي الجديد، المولود من رحم المأساة، الذي يحمل حلم العدالة والوطن ويصطدم بجدرانٍ بناها التاريخ نفسه.
في ميدان الأسطورة، كما في ميدان السياسة، كثيراً ما تتكرر المأساة: الآباء يقتلون أبناءهم دون أن يعرفوا، حين يرفضون أن يسمعوا أصواتهم.
وهكذا، تتحوّل قصة رستم وسهراب إلى مرثية كوردية خالدة، لا عن أبٍ قتل ابنه، بل عن أمةٍ تقتل أحلامها كلما اقتربت من النور.


قصة روستم و سهراب هي عنوان لفيلم إيراني انتج في عهد شاه إيران السابق، وقد شاهدته وانا يافع مع عدد من أصدقاء محلتي على شاشة سينما العلمين الواقع في شارع الاوقاف بكركوك. ذروة الدراما كانت في المشهد الاخير من الفيلم، سهراب صريع على ارض المعركة، مضرج بدماءه، روستم ما زال فوق صدره ماسكا بسيفه الذي يقطر منه دماء ابنه. يحاول سهراب ان يرفع راسه وهو ينظر إلى قاهره ليقول له كلماته الأخيرة (لو كان والدي حاضرا لصرعك) ينتبه روستم لكلمات البطل الشاب في رمقه الاخير ليسأله بحرقة وفضول كأنه أدرك في تلك اللحظة الماساوية ان ضحيته الشاب هو ابنه (و من هو والدك ؟!) يجيبه سهراب (انه البطل روستم!!) ويرى روستم سواره الذهبي يطوق ساعده ليشهد بذلك ان ضحيته هو ابنه، و يختتم الفيلم بمشهد مؤثر، روستم وهو يحتضن بقوة وحرارة ابنه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة سعيدا بين أحضان والده. هذه المقالة كتبت بأسلوب أدبي راق من حيث السرد الشيق للدراما، وجمال اختيار المفردات المناسبة مع اعطاءها رمزية خاصة. الغريب هو ان اسم كاتبها المبدع لم يظهر في المقالة، ربما هو الاخ هشام عقراوي كما احسب.