الكُرد : حقٌّ مُؤجَّل لا يسقط بالتقادم – بقلم : محمد ديب أحمد

في هذا العالم المترامي الأطراف ، هناك سؤال يطارد المؤرخين والسياسيين وأصحاب الضمائر :
كيف لشعبٍ يتجاوز الستين مليوناً ، ويمتد من زاغروس حتى طوروس ، له لغة وتراث وذاكرة عميقة ، أن يعيش بلا كيان وبلا دولة ؟
السؤال يبدو بسيطاً ، لكن الإجابة معقّدة ومحمّلة بمئة عام من الإنكار المتعمد .
الكرد لم يأتوا من وراء البحار ، ولم يكونوا غزاة ، بل هم أصحاب الأرض التي سبقت حدود الدول وأقدم من الاتفاقيات التي قسّمت أرضهم كتركة بلا صاحب .
ومع ذلك ، حُصِروا في هامشٍ جغرافي وسياسي لا يليق بتاريخهم ولا بحجمهم .
هل كان الكرد يوماً مشكلة ؟
الواقع أنّ مشكلتهم الحقيقية أنهم لم يكونوا مشكلة بما يكفي لتخاف منهم القوى الكبرى ،
كل ما طلبوه منذ قرن هو أن يعيشوا بأمانٍ على أرضهم ، تحت علمهم وبكرامتهم .
لكنّ جيرانهم ، ومعهم صُنّاع الخرائط القديمة ، قالوا لهم بوضوح :
تفضّلوا باليسيرِ من الموسيقى والفلكلور …
أما الأرض فهي ملكية سياسية خاصة ، لا نصيب لكم فيها .
وهكذا تحوّل شعبٌ كامل إلى هوامش .
فلنكن على يقين : الصراع على كردستان ليس سياسياً فقط ، ولا حدودياً فقط .
فلو كان كذلك ، كان قد حُلّ بالتفاوض أو بخريطة جديدة .
***** إنه صراعٌ وجوديٌ في جذره .
أما الدول التي اقتطعت أجزاءً من كردستان تعرف أن الاعتراف بالكرد يعني نسف جزء كبير من رواياتها الوطنية المبنية على التزييفِ والإنكار .
والاعتراف بالكردي صاحب أرض يعني أنه ليس ضيفاً ، ولا أقلية مستوردة ،
بل مالك دارٍ اعتُدي على بيته وممتلكاته .
هذا الشعب الذي حاولت دول وإمبراطوريات كسره بالمجازر وسياسات الصهر ، خرج من كل ذلك أشدّ صلابة .
فعلى مدى قرن ، وقف رجال الكرد ونساؤهم في وجه أربعة جيوش ، لا حباً بالحرب ، بل لأن الاستسلام ليس مفردة في قواميسهم .
اماحين تُغلق الأبواب ، تصبح الجبال أوطاناً مؤقتة وهو توأمٌ للكرد ووطنٌ لا يُقهر .
قد تلتقي بأُناسٍ يلومونك بأنك كُرديٌ وبلا دولة ، ولا يعلمون أن الكُردَ قدّم من أجل ذلك ما لم يقدّمه كثيرون من أجل دولهم القائمة اليوم .
مع ذلك ، كانت خرائط الدبلوماسيين تفضّل أن تبقى كردستان مساحة تجريبية في مختبر السياسة الدولية .
لكن الزمن تغيّر ،
الكرد اليوم حضور واضح في السياسة ، وفي الثقافة والوعي بمجريات الامور والأحداث ،
وبات سؤال دولتهم سؤالاً منطقياً لا عاطفياً :
كيف يستمر الشرق الأوسط بإنكار شعب بهذا الحجم والعمق ؟
أما لماذا لا يعيش الكرد مثل غيرهم ؟
والجواب واضح : لأن البعض يخاف اللحظة التي يقف فيها الكردي على أرضه ويرفع علمه بوصفه أمّة كاملة ، لا مكوّناً ولا أقلية .
وقيام كيان كردي لا يعني تغييراً سياسياً فقط ، بل يعني إعادة كتابة تاريخ المنطقة بحبر الحقيقة لا بمداد المصالح .
أمّا اليوم ، فالخريطة نفسها باتت قابلة للمراجعة أكثر من أي وقت مضى .
والحقوق لا تُلغى بالتقادم ،
عشتم وعاشت كردستان
بقلم : محمد ديب أحمد