“اللوبي الكوردي في المهجر: اتحادٌ بلا اتحاد، ومنظماتٌ بلا منظِّمين!”

في عالمٍ يسوده التنظيم، والتخطيط الاستراتيجي، واللوبيات التي تُحرّك الكونغرسات وتُغيّر سياسات الدول، يبرز سؤالٌ يُثير الحيرة والدهشة بين المراقبين: أين هو “الاتحاد الكوردي في المهجر”؟
هل هو كيانٌ خفي يجتمع سرًّا في غرف مغلقة تحت ضوء الشموع، يخطّط لإنقاذ كوردستان من مصيرها؟
أم أنه، ببساطة، خيالٌ جماعي يُعيد إنتاجه كلّ عام نفس الأشخاص، نفس العناوين البرّاقة، ونفس المؤتمرات التي لا يحضرها سوى المنظّم و”صاحبه الذي يأتي له بالقهوة”؟

دعونا نكون صريحين — بصوتٍ عالٍ، وبنبرة ساخرة لكنها صادقة:
لا يوجد اتحاد جالية كوردية في المهجر.
ما يوجد هو سوقٌ مفتوح من الأسماء اللامعة على أوراق PDF، ومنظمات “تُعنى بحقوق الإنسان، الثقافة، والهوية الكوردية”، لكنها لم تُحرّك ساكنًا منذ تأسيسها —  هذا إن وُجدت أصلًا.

فالمشهد، يا سادة، ينقسم إلى قسمين لا ثالث لهما:

أولًا: المنظمات الحزبية المقنّعة

وهي كثيرةٌ كالنجوم في ليلة صافية… لو أن النجوم تتقاضى رواتب شهرية من مكاتب الحزب في أربيل أو السليمانية أو ….!
هذه “منظمات” لا تمثّل الجالية، بل تمثّل الفرع الأوروبي أو الأمريكي لحزبٍ ما، ووظيفتها الوحيدة هي:

  • توزيع الشعارات في المناسبات.
  • تصوير فيديوهات “نطالب بحقوق الشعب الكوردي!” على خلفية علم كوردستان.
  • التنافس مع “الفرع الآخر” على من يكتب بيانًا أطول ضد الخصم السياسي.

ولا عجب أن ترى شخصًا عاديًا كان بالأمس في حيٍّ بضاحية باريس و عاطلا عن العمل، ويصبح فجأةً “منسقًا إقليميًّا للجالية الكوردية في فرنسا مثلا أو ألمانيا أو السويد”، فقط لأنه وافق على تسليم ميكروفون الحزب في احتفال يوم نوروز!

ثانيًا: منظمات المجتمع المدني “الشبح”

وهذه أشبه بالكائنات الأسطورية: لها موقع إلكتروني قديم، ويحتوي على “بيان تأسيسي” مهيب، وشعار جميل، واسم يوحي بالعظمة:
“الرابطة الدولية لتنمية الوعي الكوردي في المهجر”!
لكن إن بحثت عن نشاطاتها، فستجد:

  • آخر نشاط: ندوة افتراضية عام 2020 عن “الهوية في زمن الجائحة”.
  • عدد المتابعين على فيسبوك: 342، بينهم 200 حساب وهمي.
  • والمكتب؟ لا وجود له إلا في عنوان بريد إلكتروني.
والأمر الأكثر إثارة للسخرية؟
أن بعض “القيادات” تأتي إلى إقليم كردستان كأنها وفود دبلوماسية من الأمم المتحدة! تلبس بدلةً جديدة عليها علم كوردستان، تحجز غرفة في فندق فخم، وتلتقي بمسؤول في حكومة الإقليم ليسلّمهم “توصيات الجالية الكوردية في أوروبا”،
بينما الجالية نفسها لم تنتخبه، ولم تسمع به، ولا تعرف حتى أن اسمه مكتوب في بطاقة عضويةٍ لأي منظمة!

ويكفي أن تفتح أي صفحة على وسائل التواصل الاجتماعي لتكتشف أن كل “اتحاد” يدّعي أنه الممثل الشرعي الوحيد للجالية،
حتى أنك تتساءل: هل الجالية الكوردية في المهجر شعب أم سلسلة فنادق؟
لأن كل “رئيس” يفتح فرعًا باسمه، ويُعلّق لوحة أمام باب غرفته:

“الاتحاد الأعلى، الأسمى، الأوحد، الأزلي للجالية الكوردية في أوروبا والفضاء الخارجي!”

في الختام:
فأن الجالية الكوردية الحقيقية في المهجر مليئة بالكفاءات، المفكّرين، الأكاديميين، والناشطين الحقيقيين. لكنهم صامتون — ليس لأنهم غير مبالين، بل لأنهم يعرفون أن الباب مغلق أمامهم ما دام المفتاح بيد من يُدرّون رواتبهم حزبيًّا، ويُقيسون “الانتماء الكوردي” بمدى الولاء لزعيمٍ أو حزب.

فلو أردنا لوبيًّا كورديًّا حقيقيًّا،
فليكن مستقلًّا، شفافًا، جماعيًّا، وغير حزبي و يتم أنتخابة ديمقراطيا.
وإلا، فدعونا نكتفي بـ”اتحاد الأحلام”…
الذي يجتمع كل عام في خيال أصحابه،
ويُعلّق بيانه على “الحائط الفيسبوكي”،
ويختفي حتى الذكرى القادمة!

مُلاحظة ساخرة:
إذا وجدت منظمة تدعى “اتحاد الجالية الكوردية العالمي”،
فاسأل:
من انتخبهم؟
ما الميزانية؟
وكم كوب قهوة دفعوا لطباعة الشعار على الراية؟
الجواب سيكون: “السؤال غير مقبول… نحن نمثل الشعب!”
طبعًا… الشعب الصامت الذي لم يُطلب رأيه قط!