كان والدي رحمه الله ورضوانه عليه، ينصحنا دائمًا بقصص وحِكم يرسّخ بها القيم في أذهاننا، ومن بينها قصة “الدجاجة” التي ظلّت عالقة في ذاكرتي الى اليوم.
قصة الدجاجة: حكمة من الماضي
حكى لنا أبي رحمة الله عليه ورضوانه:
- كبر رجل وترك إدارة مزرعته لأولاده.
- جاءه أولاده بعد أن تولّوا المسؤولية وأخبروه بأن دجاجة قد سُرقت. فقال لهم: اذهبوا وابحثوا عن الدجاجة.
- ردّ الأبناء: لدينا الكثير من الدجاج، ولن نتعب من أجل دجاجة واحدة. فلم يبحثوا عنها.
- وبعد مدة عادوا إليه وقالوا: لقد سُرقت فرس لنا. فقال لهم: اذهبوا وابحثوا عن الدجاجة.
- استغرب الأبناء وقالوا: نخبرك بسرقة فرس، وتعيد علينا قصة الدجاجة؟!
- وبعد فترة أخرى عادوا مذعورين وأخبروه بأن أختهم قد خُطفت. فقال لهم: اذهبوا وابحثوا عن الدجاجة.
- فقالوا في غضب: نخبرك عن خطف أختنا، شرفنا، وتطلب منا البحث عن دجاجة؟!
فأجابهم والدهم الحكيم:
لو بحثتم عن الدجاجة واستعدتم حقكم منذ البداية، لما تجرّأ السارق على سرقة الفرس، ولا على خطف أختكم.
العبرة من القصة:
التخلي عن حقوقكم الصغيرة يقودكم يومًا للتخلي عن أعز ما تملكون.
والتغاضي عن الاعتداءات المتكررة، سواء من فصائل مرتبطة بإيران أو من تركيا، هو في الحقيقة تنازل عن سيادة العراق، وسيادة الوطن هي شرف كل العراقيين مهما كانت قومياتهم وطوائفهم.
الهجمات على إقليم كردستان:
شهد إقليم كردستان خلال العقد الأخير تصاعدًا خطيرًا في وتيرة الهجمات التي نُفّذت بالطائرات المسيّرة والصواريخ قصيرة المدى، سواء من إيران مباشرة، أو عبر فصائل مسلحة مدعومة منها داخل العراق، أو من تركيا ضمن عملياتها العسكرية.
تعتمد هذه الهجمات على تقنيات منخفضة الكلفة وعالية الدقة، مما يجعل المسيّرات سلاحًا مفضّلًا في الحروب غير المتكافئة.
إيران تُعد من أكثر الدول تطورًا في هذا المجال، بينما تمتلك تركيا أسطولًا ضخمًا من المسيّرات (مثل بيرقدار).
وفي المقابل، يقف إقليم كردستان في منطقة تماس حساسة، مع وجود قواعد تركية على أراضيه وغياب منظومات دفاع جوي فعالة.
لماذا استُهدف خورمور؟
خورمور يزوّد نحو 80٪ من كهرباء الإقليم، وضربه يعني:
- إطفاء شامل في السليمانية وأربيل وكركوك.
- إرباك حكومة الإقليم أمام المواطنين.
- خلق ضغط اقتصادي قبل المفاوضات مع بغداد حول تشكيل الحكومة.
- استهداف شركة دانة غاز الإماراتية، إيران ليست راضية عن:
- توسع دور الإمارات في غاز كردستان.
- استبدال الغاز الإيراني بالغاز المحلي.
- مشروع خط أنابيب أربيل – تركيا.
غياب الرد الحكومي:
لم تتخذ الحكومة الاتحادية ولا حكومة الإقليم أيَّ ردِّ فعلٍ واضح أو رادع تجاه هذه الهجمات، رغم أن هوية المسيّرات والصواريخ معروفة تقنيًا؛ فكل طائرة مسيّرة يُعرَفُ مُصنِّعُها ومسارُها وموقعُ انطلاقِها، وكذلك الصواريخ.
ومع مرور الوقت، لم تجرؤ الحكومتان، الاتحادية والإقليم، على الإفصاح عن أن المتهمين «سارقو الدجاجة»، ولم تجرؤا على الإعلان عن أسمائهم وانتماءاتهم الفصائلية، ولن تجرؤا على معاقبتهم كما حدث في السابق. أي إن شرف العراق منتهَك من قِبل إيران وتركيا والفصائل المسلحة.
كلمة أخيرة:
- الشعب العراقي يحتاج إلى ثورة ثقافية تُعيد تعريف مفهوم المواطنة، وتجعل كرامة الوطن فوق كل الاعتبارات. فالمواطنة علاقة قانونية وأخلاقية وسياسية تربط الفرد بدولته، وتقوم على منح الحقوق، وتحمل الواجبات، واحترام القانون، والمشاركة في البناء.
- أما من أطلق الصاروخ على منشآت الغاز في كردستان في هذا التوقيت العصيب، فقد ارتكبت الفصائل خطأً سياسيًا فادحًا؛ إذ كان ترامب يبحث عن ذريعة لضرب الفصائل المسلحة في العراق، وجاء هذا الفعل ليمنحه الذريعة التي يريد.
- ومُطلق الطائرة المسيّرة معروف، وسبق أن اعتُقل مطلقو الصواريخ سابقًا ثم أُطلق سراحهم، كما حاولت الميليشيات الحشد التقدّم لاحتلال أربيل بعد الاستفتاء الفاشل في أيلول 2017، فشلت المليشيات في حملتها لاحتلال قلب كردستان. لكن حكومة الإقليم سكتت عن الحالتين، فرِحةً بحكم الإقليم والامتيازات المكتسبة منه.

