يحمل يوم 10 كانون الأول في الوجدان العراقي معنى يتجاوز كونه موعد سنوي على التقويم فهو يوم الانتصار الذي استعاد فيه العراق أرضه وهيبته واحتفل شعبه بزوال كابوس داعش الارهابي بعد سنوات طويلة من المعارك والتضحيات وتكريماً لذكرى التحرير ولدماء الأبطال الذين صنعوه، غير أن خلف هذا المشهد الكبير تتخفى تفاصيل عميقة أبرزها الدور الذي أداه الكورد الفيليون مع ابناء شعبه الواحد في كتابة هذه الصفحة المفصلية من تاريخ البلاد حيث يشكل هذا اليوم لحظة فارقة في الذاكرة الوطنية فهو ليس إعلاناً عن نهاية حرب فقط بل ترجمة لإصرار العراقيين على أن تبقى أرضهم عصية على الإرهاب وفي قلب هذا الاصرار وقف الكورد الفيليون أبناء هذا المكون الكوردي الاصيل لطالما حملت في تاريخها إرثاً ثقيلاً من التهجير والاضطهاد ولكنها لم تعترف يوماً بالهامش ومع سيطرة عصابات داعش الارهابية لمدن العراق رأى الفيليون المعركة امتحاناً للانتماء قبل أن تكون معركة أرض فكان جوابهم واضحاً وصريحاً وهو الحضور والمشاركة والتضحية.
وفي هذه المناسبة يتجدد استذكار بطولات القوات الأمنية بكل صنوفها وما قدمته من شهداء في سبيل الدفاع عن الوطن وطرد العصابات التكفيرية الإرهابية من المدن كما تستعاد أهمية فتوى الجهاد الكفائي التي أطلقتها المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف والتي شكلت نقطة انعطاف في مسار الحرب ولعل العلاقة التي تربط الكورد الفيليين بالمرجعية ليست علاقة طقوس فحسب بل رابطة تستمد قوتها من الإيمان بأن المرجعية تمثل ضمير الأمة وصوت العدالة فالنداء الصادر من النجف لم يكن عندهم توجيهاً دينياً فقط بل تكليفاً أخلاقياً ووطنياً فقد شارك أبناء الكورد الفيليين في صفوف الجيش والشرطة الاتحادية والحشد الشعبي والبيشمركة وتمركزوا على جبهات تمتد من ديالى وحزام بغداد إلى كركوك والموصل والأنبار قدموا شهداء وجرحى وأثبتوا أن الدفاع عن الوطن ليس شعاراً بل فعل يكتب بالدم وسط النار والتراب ولم يكن دورهم عسكرياً فالعائلة الفيلية جسدت وجهاً آخر من البطولة عندما قدموا المبادرات الإنسانية وجمع الغذاء والدواء وتنظيم الحملات لدعم النازحين واحتضان العائلات التي فقدت بيوتها حيث كانت جزءاً من المعنويات التي رفعت روح المقاتلين والتي خففت عن المدنيين آثار الحرب، فقد برهن الكورد الفيليون كما بقية مكونات الشعب العراقي أن معركة التحرير لم تكن معركة طائفة أو قومية بل معركة وطن واحد وحين أعلن النصر في عام 2017 شعر الفيليون بأنهم أخيراً يطوون صفحة من الألم ويضعون بصمتهم الواضحة في حماية بلد كانوا دوماً جزءاً أصيلاً من نسيجه، فكثير من العائلات الفيلية ربطت مشاركتها بقيم راسخة وهي الدفاع عن المظلوم وحماية الأرض والعرض وتقديم العون للمحتاج وامتزجت تضحياتهم بروح الإيمان والصبر وكانت دموع الأمهات الفيلية على الشهداء هي لوحة النصر الكبرى، لقد حاول أعداء العراق مراراً نشر روح اليأس لكن إرادة الحياة كانت أقوى فقد انتصرت إرادة النور على ظلام التطرف بفضل وحدة العراقيين وموقفهم الشجاع في مواجهة الإرهاب وأثبت الكورد الفيليون أنهم ركيزة أساسية في الهوية العراقية المتنوعة فكل نداء وطني أو صوت صادر من المرجعية تجدهم في الصفوف الأولى سواء في الفعل السياسي أو في الدعم الاجتماعي واليوم يواصل الفيليون كتابة صفحات جديدة في بناء الدولة مستندين إلى تاريخ مشرف وأن الوفاء للعراق ليس شعاراً بل واقعاً يترجم حين يلتقي الضمير الديني بالواجب الوطني في موقف واحد عنوانه الولاء للوطن والوفاء للعراق.

