أحمد الشرع.. عام بعد التحرير – د قبات أحمد

 

أصبح الرئيس أحمد الشرع الشخصية التي تحدد مسار سوريا الجديدة بعد سقوط نظام الأسد. قفزته من جبهة الثورة إلى السلطة تفتح آفاقًا سياسية مختلفة تمامًا. أصبح أحمد الشرع، المعروف في معظم مسيرته المهنية بأبي محمد الجولاني، رئيسًا مؤقتًا لسوريا عام 2025, بعد أكثر من عقد من الحرب الأهلية حيث تحاول سوريا إعادة بناء نفسها الآن. تجسد شخصيته تقاطع الثورة والجغرافيا السياسية وإعادة بناء الدولة: رجل تحول من قائد ثوري إلى حاكم في بلد مزقته الصراعات الداخلية والضغوط الدولية. ولد الشرع عام 1982 في الرياض، المملكة العربية السعودية، وانخرط في سنّ مبكرة مع الحركات الثورية في العراق، ثم في سوريا. جعلته فترة قيادته لهيئة تحرير الشام (HTS) بين عامي 2017 و2024 شخصية محورية في الثورة السورية، بالإضافة إلى كونه استراتيجيًا سياسيًا قادرًا على إدارة عملية الانتقال من الحرب إلى الحكم. مثل تعيينه رئيسًا مؤقتًا بعد سقوط نظام بشار الأسد علامة فارقة تاريخية: فلأول مرة، يتولى زعيم ثوري ذو خلفية اسلامية منصب رئيس الدولة رسميًا في سوريا مع أن هذا يضعه على مفترق طرق وتحديات متعددة: الشرعية الداخلية، وإعادة بناء المؤسسات، وإدارة الأقليات، والدبلوماسية الدولية، وإعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي في بلد دمرته سنوات من الصراع.

توطيد قوة الثوار

خلال الحرب الأهلية، سمحت قدرة الشرع على المناورة السياسية وإعادة تنظيم تنظيمه بتعزيز سيطرته في إدلب، المنطقة الأكثر استراتيجية في شمال غرب سوريا. في عام2016، أعلنت هيئة تحرير الشام فك ارتباطها رسميًا عن تنظيم القاعدة، وهي خطوة فسرها محللون دوليون على أنها استراتيجية لإضفاء الشرعية على دورها السياسي في سوريا. مثّل هذا التحول من ثوري إلى حاكم طموح بداية مرحلة انتقالية وضعته الآن على رأس الدولة. في ديسمبر/كانون الأول 2024، وبعد هجوم للثوار أطاح سريعًا بنظام الأسد، برز الشرع كقائد فعلي. وفي يناير/كانون الثاني 2025، عُيّن رسميًا رئيسًا مؤقتًا بموجب اتفاقات بين الفصائل الثورية. وشمل هذا التعيين حل البرلمان السابق والدستور، بالإضافة إلى إعادة هيكلة القوات المسلحة.

 سوريا في عهد الرئيس أحمد الشرع

تبنت سوريا في عهد الرئيس أحمد الشرع نهجا متعدد التوجهات، نأت فيه بنفسها جزئيا عن الاعتماد على روسيا وإيران. وسعت إلى فتح قنوات حوار مع المملكة العربية السعودية وتركيا والغرب، وعرضت التعاون في مكافحة الإرهاب وتقديم ضمانات للأقليات. عمليًا، يعني هذا: محاولات تطبيع العلاقات مع الدول المجاورة، بما في ذلك إسرائيل، تحت شعار “صفر مشاكل”. التفاوض على رفع العقوبات والوصول إلى الاستثمارات الدولية. وضع سوريا كفاعل إقليمي مستقل، قادر على موازنة مصالح تركيا وإيران والمملكة العربية السعودية وروسيا والولايات المتحدة. وفي هذا السياق يجب عدم نسيان الأهمية العظمى لرفع عقوبات قيصر على حركة الاقتصاد، السياسة والمجتمع السوري.

الجيوسياسية والشرعية

يمثل الشرع نقلة نوعية كما أشرنا سابقا في تاريخ سوريا المعاصر والحالي، حيث سيحدد نجاحه ما إذا كانت سوريا قادرة على الظهور كفاعل إقليمي ذي أهمية أم أنها ستعود إلى التشرذم والتبعية الخارجية.  هنالك تحديات خارجية يجب على الرئيس الشرع العمل عليها منها: كسب ثقة الغرب والمنظمات متعددة الأطراف، التي تنظر إليه بريبة بسبب ماضيه الثوري. تحويل هيئة تحرير الشام إلى قوة دولة محترفة، وضمان السيطرة على الأمن والقوات المسلحة والانتقال من عقل الثورة الى عقل الدولة والمؤسسات.  وكذلك عوامل داخلية كدمج إعادة الإعمار الاقتصادي والاجتماعي في إطار جيوسياسي ملائم، وتجنب العقوبات والصراعات الإقليمية. تعزيز حقوق الأقليات دستوريا. أرساء دولة القانون والمساواة والمواطنة الحقيقية بين مختلف شرائح المجتمع السوري وأطيافه المتعددة وترسيخ حكومة شاملة تعيد بناء الثقة في الدولة. وبالتالي هذه ليست قصة رجل واحد، بل قصة بلد ووطن عريق متنوع تاريخيا يحاول إعادة بناء نفسه في مشهد جيوسياسي عالمي معقد، يتميز بالإرهاب وإعادة الإعمار والدبلوماسية الدولية والتحديات الأمنية التي ستبقي انتباه العالم مركزا على سوريا خلال فترة رئاسة أحمد الشرع. وكذلك يفترض من أطياف الشعب السوري المختلف دينيا ومذهبيا وعرقيا التعاضد والتعاون والتسامح لبناء وطن واحد ومشترك للجميع بدون أقصاء وتمييز. وفي هذا السياق على الكرد في سوريا الاتفاق على قلب رجل واحد خدمة لقضيتهم القومية ضمن الوطن السوري وعدم ضياع مزيدا من الوقت في المهاترات الحزبية الضيقة وخاصة أن برامج معظم الأحزاب الكردية متشابهة بنسبة 99%.

خلاصة القول: سوريا عام 2025 في عهد الرئيس أحمد الشرع تفتح فصلاً تاريخياً، صعود قائد ثوري إلى السلطة في بلد دمرته الحرب. نجاح كل ذلك يعتمد على عوامل الحوكمة، والسلم الاجتماعي، والشمول الحقيقي، والتحول المؤسسي حيث الأقليات تسعى إلى ضمانات، والغرب ينظر بحذر، والقوى الإقليمية ليست جميعها مقتنعة، وإعادة الإعمار الاقتصادي والاجتماعي تمثل تحديا هائلًا. سيعتمد مستقبل سوريا على كيفية إدارة الرئيس الشرع لهذا التقاطع بين الثورة والدولة، والحرب وإعادة الإعمار، والعزلة وإعادة الاندماج الدولي. في المقابل، يجب ضمان الحقوق السياسية والثقافية والدينية الأساسية للأقليات. وهذا من شأنه أن يمنع النهج الانتقائي التعسفي الذي أعاق تاريخيًا المصالحة الوطنية السورية.