البعد الاستراتيجي لنزع سلاح القوة 70 (يكيتي) والقوة 80 (الپارتي)- صباح دارا

 

 

يمثّل قرار الولايات المتحدة الرغبة نحو نزع سلاح (القوة 70 (المرتبطة بالاتحاد الوطني الكردستاني و(القوة 80 ) المرتبطة بالحزب الديمقراطي الكردستاني تحوّلًا حاسمًا في طريقة تعاملها مع اقليم كوردستان العراق. فبدل من إدارة توازن هشّ بين كيانين عسكريين متنافسين، يبدو أنّ واشنطن قررت استهداف بؤرة عدم الاستقرار البنيوي ذاته داخل الاقليم والمتمثلة بوجود جيشين حزبيين داخل منطقة فدرالية واحدة.

هذا التوجّه يمثل إعادة تقييم واقعية لستة عقود من العسكرة الداخلية الكوردية. فقد أظهرت الأزمات المتكرّرة أنّ بقاء المكونات العسكرية المسلحة خاضعة للأحزاب لا للمؤسسات، يؤدي الي إبقاء الإقليم عرضةً للصراعات الداخلية، والتلاعبات الخارجية من قبل أطراف غير كوردية، مما يفرض الشلل المزمن في إدارة الاقليم.

لا يمكن لجيشٍ موالٍ لحزب أن يخدم جميع افراد الشعب برمته في آن واحد. لقد قوّض وجود القوتين 70 و80 مصداقية المؤسسات الكوردية، وأضعف ثقة الجمهور، ومنع تبلور عقيدة أمنية موحّدة منسجمة مع متطلبات الدولة. فمن الواضح إنّ الجيش الذي يدين بالولاء لحزبٍ بعينه يعجز بطبيعته عن تمثيل مصالح المجتمع بأكمله وخدمة كل مكوّناته على قدم المساواة.

للتنويه، منذ تسعينيات القرن الماضي، جرت محاولات وساطة إقليمية ودولية عديدة، ولا سيما من قبل الولايات المتحدة، بهدف التوفيق بين الحزبين الرئيسيين في الإقليم , ورغم أنّ هذه الجهود أسهمت في كبح الحرب المفتوحة بين الطرفين، فإنها فشلت في معالجة الجذور البنيوية للصراع، إذ إنّ استمرار وجود جيشين متوازيين جعل السلام مؤقتًا وتكتيكيًا، لا سلامًا حقيقيًا قائمًا على أسس بنيوية.

الخلفية والسياق التاريخي

انجرّت القوى الكوردية المتنافسة مرارًا إلى مواجهات إقليمية واسعة. وكل تصعيد سواء كان دبلوماسيًا أم عسكريًا حمل خطر ارتدادات داخلية، ما قوّض الاستقرار وأضعف الحكم الذاتي الكوردي.

ان التنافس السياسي والعسكري بين الاتحاد الوطني والديمقراطي الكوردستاني منذ منتصف ستينيات القرن الماضي قد أدى الي سلسلة متكرّرة من الحروب الاهلية الدامية. هذه المواجهات لم تكن حوادث عابرة أو ظرفية، بل ظاهرة بنيوية رافقت تطوّر المشهد السياسي نفسه داخل الإقليم وحواليه في الأجزاء الأخرى من كوردستان.  إذ إنّ استمرار وجود هياكل عسكرية متنافسة جعل أي خلاف سياسي قابلًا للتحوّل السريع إلى صدام عسكري متكرر كما هو مبيّن أدناه:

  • عام 1964 وظهور تيار السيد جلال الطالباني نشبت سلسلة من المعارك على مدى سبعة أعوام بين بيشمركة الپارتي وقوات جلال.
  • عام 1977: حصلت معارك دامية بين الطرفين في منطقة بادينان تركت المئات من الضحايا في صفوف البيشمركة والعديد من قادتهم مثل على العسكري.
  • عام 1996 استمر هذا المسلسل في حرب أهلية شاملة بين البيشمركة من الطرفين انتهت باكثر من ثلاثة الاف شهيد من البيشمركة.
  • 2017 أيلول: صدام سياسي بين البارتي واليكيتي بخصوص الاستفتاء أدى الي احتلال كركوك والمناطق المشمولة بالمادة 140 من قبل الحشد الشعبي والجيش العراقي نتيجة خيانة اليكيتي وانحرافه لصالح ايران بعد سيطرة بافل طالباني على هذا الحزب.

أن ما أعقب استفتاء الاستقلال عام 2017 كشف بشكل واضح عن هشاشة النظام السياسي الكوردي في الإقليم وكانت هذه نتيجة حتمية للصراع الازلي بين الحزبين الرئيسيين.

الوضع السياسي داخل إقليم كوردستان منذ عام  2017 وحتى اليوم يبعث على القلق، ويبدو وكأنه قائم على حافة الانفجار.

ومما يزيد من شدة الصراع بين اليكيتي – الپارتي هو تدخل الأطراف الخارجية. فقد استغلّت قوى إقليمية مرارًا الانقسام الكوردي عبر دعم فصيل على حساب آخر، ما ضاعف حدّة التنافس الداخلي وحوّل الإقليم إلى ساحة صراع بالوكالة.

فوائد القرار الأمريكي بنزع سلاح القوتين 70 و80:

  • إنهاء الجيوش الحزبية سيمنع تحوّل الخلافات السياسية إلى مواجهات مسلّحة.
  • توحيد الأمن الداخلي عبر إنهاء تعدّد القيادات العسكرية وبناء جهاز أمني مؤسسي واحد.
  • تعزيز الثقة الدولية، إذ يُعدّ نزع السلاح دلالة على النضج السياسي والمسؤولية.
  • الاقتراب من نموذج الدولة الحديثة، لأن احتكار السلاح بيد المؤسسات الرسمية أساس السيادة.
  • تحسين الحوكمة وجذب الاستثمار، فالإقليم الذي تحكمه القوانين أكثر استقرارًا وأمانًا من الإقليم الذي تحكمه الميليشيات.
  • معالجة جذور الصراع الممتد منذ أكثر من ستين عامًا بدل الاكتفاء بإدارة نتائجه.
  • الحدّ من التدخلات الخارجية عبر حرمان القوى الإقليمية من أدوات النفوذ العسكرية.
  • تقليص هيمنة الأشخاص والأحزاب بنقل القوة من الأفراد إلى المؤسسات.
  • استبدال منطق السلاح بمنطق النظام والدولة، وحل الخلافات بالسياسة لا بالقوة.

ومن منظور استراتيجي، يمكن اعتبار هذا القرار أهم وأثبت خطوة اتخذتها الولايات المتحدة في إقليم كردستان العراق منذ تسعينيات القرن الماضي.

الخاتمة

إنّ التوجه الأميركي نحو نزع سلاح القوتين 70 و80 لا يُعدّ إجراءً أمنيًا معزولًا، بل تدخّلًا بنيويًا يهدف إلى إنعاش المؤسسة السياسية في الإقليم ومنحها فرصة جديدة للاستقرار. فمن خلال إزالة العوامل التي غذّت الانقسام طويلًا، تسعى واشنطن إلى طيّ صفحة اتّسمت بالتنافس الحزبي، والصراعات بالوكالة، وضعف الحوكمة. وإذا نُفّذ هذا القرار بحزم وترافق مع إصلاحات مؤسساتية حقيقية، فقد يشكّل نقطة تحوّل تنقل إقليم كوردستان العراق من واقع أمني تهيمن عليه الأحزاب إلى كيان سياسي متماسك تحكمه الشرعية والقانون والاستقرار بدل منطق السلاح.
وعليه، لا ينبغي النظر إلى نزع السلاح بوصفه إجراءً عقابيًا، بل خطوة وقائية تهدف إلى منع سيناريوهات خطيرة قبل وقوعها.