في تحوّل دراماتيكي يُعيد رسم خريطة الصراع في اليمن، سيطرت قوات “درع الوطن” التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًّا، بدعم جوي سعودي مباشر، على معسكر اللواء 37 في منطقة الخشعة بمحافظة حضرموت، بعد معارك عنيفة ضد وحدات المجلس الانتقالي الجنوبي، في تطوّر يُنظر إليه على أنه نقطة اللاعودة في الصراع على مستقبل الجنوب.
ولم يعد الصراع بين الحكومة والمجلس الانتقالي مجرد خلاف على تقاسم السلطة، بل تحوّل إلى معركة وجودية حول الهوية السياسية للجنوب، وسط انعطاف استراتيجي حاد في سياسة المملكة العربية السعودية، التي وجدت في التمدد الإماراتي عبر الانتقالي تهديداً مباشراً لأمنها الجنوبي ونفوذها في باب المندب وخليج عدن.
من “اتفاق الرياض” إلى “غارات سعودية”
حتى ديسمبر 2025، حاولت الرياض إدارة الخلاف مع أبوظبي عبر اتفاقيات سياسية مثل “اتفاق الرياض”، لكن كل المحاولات باءت بالفشل. وعندما سيطر الانتقالي — المدعوم إماراتيًّا — على حضرموت والمهرة مستغلًا فراغًا أمنيًّا، اعتبره الرئيس رشاد العليمي “انقلابًا”، فردّ بإعلان إلغاء اتفاقية الدفاع مع الإمارات، وطلب تدخل سعودي عسكري عاجل.
وجاء الرد سريعًا: غارات جوية سعودية مباشرة — للمرة الأولى ضد قوات جنوبية — شملت:
- 7 غارات على مواقع الانتقالي،
- 3 غارات على مطار سيئون،
- واستهداف شرايين لوجستية تربط الداخل بساحل المكلا، الموانئ الاستراتيجية التي سبق أن قُصفت في ديسمبر.
“درع الوطن”: قوة جنوبية ضد مشروع الانفصال
ويقود العمليات المحافظ سالم الخنبشي، الذي عُيّن حديثًا قائدًا للقوات في حضرموت، ويُنظر إلى “درع الوطن” — المكونة من قبائل ووحدات جنوبية موالية للحكومة — على أنها الجناح الوطني المضاد لمشروع الانتقالي الانفصالي.
ويصاحب الهجوم خطاب سياسي قوي يُحذّر من “إراقة الدماء”، ويصف التحركات بأنها “استعادة للسيادة”، بينما يردّ الانتقالي باتهام السعودية بـ”شن حرب شمالية على الجنوب” و”دعم الإرهاب”، في محاولة لإعادة تأطير الصراع على أنه دفاع عن الهوية الجنوبية.
لماذا حضرموت؟ لأنها “قلب الجنوب النابض”
تمثّل حضرموت العمود الفقري الجيوسياسي للجنوب:
- تضم ميناء المكلا، ثاني أكبر موانئ اليمن،
- تحتوي على حقول نفطية استراتيجية،
- وتمتد حدودها مع السعودية وعمان،
- وتُعدّ معبرًا حيويًّا للتجارة والطاقة.
وأي خسارة أو انتصار هنا سيُحدّد مصير المشروع الانفصالي:
- إذا نجحت الحكومة، فقد تبدأ مرحلة إعادة توحيد الجنوب تحت سلطة الدولة،
- وإذا فشلت، فقد يُعلن الانتقالي دولاً جنوبية مستقلة، بدعم إماراتي.
نهاية مرحلة… وبداية أخرى
ما يجري اليوم في حضرموت ليس اشتباكًا عابرًا، بل بداية حرب جديدة — ليست ضد الحوثيين، بل ضد فكرة الانفصال نفسها.
والسعودية، التي كانت تتفادى التدخل العسكري المباشر في الجنوب، تدرك الآن أن الاستقرار لا يُبنى على التفاهمات الهشة، بل على الحقائق الميدانية.
لكن مع تقلص مساحة الحل السياسي، وتصاعد الخطاب التصعيدي من الطرفين، يبقى السؤال الأخطر:
هل نحن على أبواب حرب أهلية جنوبية… قد تُعيد إنتاج كابوس اليمن من جديد؟

