عندما تختلف الجينات السياسية :  لماذا تفشل البنود قبل تنفيذها  ؟ – بقلم : محمد ديب أحمد

مع مطلع عام 2026 ، يبدو المشهد السوري وكأنه يعيد تشغيل نفسه بالنسخة ذاتها :
تصريحات متفائلة ، تسريبات إعلامية عن تقدم في التنفيذ ، وبنود يُقال إنها اقتربت من الاكتمال ، بينما السؤال الحقيقي ما زال مؤجلاً عمداً :
هل المشكلة السورية مشكلة اتفاقات أم مشكلة تصورات عن الدولة والمجتمع ؟
تقول وسائل إعلام قسد إن تقدماً قد أُحرز في عدد من بنود التفاهمات الموقعة في العاشر من آذار . هذا بحد ذاته تطور لا يمكن تجاهله .
 لكن التجربة السورية علّمتنا أن الورق قادر على تحمّل أي شيء ، بينما الواقع لا يعترف إلا بما هو أعمق من التواقيع :
 وهي المرجعية الفكرية التي ستفسّر هذه البنود لاحقاً .
هنا بالضبط يبدأ الخلاف ، لا بين قسد والسلطة المؤقتة كشخصيات أو هياكل ،
بل بين نموذجين متناقضين للدولة .
قسد ، سواء اتفقنا أو اختلفنا معها ، قدّمت نموذجاً سياسياً واضح المعالم :
شراكة حقيقية بين المكونات ،
حضور فعلي للمرأة في مواقع القرار عبر الرئاسة المشتركة ،
تعامل مع التعدد بوصفه حقيقة يجب تنظيمها لا خطراً يجب قمعه .
هذا النموذج لم يُستورد من كتيّب أيديولوجي ، بل تشكّل تحت ضغط الحرب ، وامتحنته الوقائع اليومية .
في المقابل ، لا تزال السلطة المؤقتة تتحرك داخل تصور ضيق للسياسة ، أقرب إلى إدارة جماعة منتصرة منه إلى بناء دولة .
منذ تشكيلها لم نسمع خطاباً واضحاً عن الديمقراطية كمنظومة حكم ، وربما يُفهَم هذا الغياب إذا تذكّرنا أن بعضهم ما زال يتعامل مع الكلمة ذاتها كما لو كانت شبهة فكرية أو تهمة مستوردة ،
الاختلاف لا يقف عند حدود اللغة السياسية بل يتجلى في أدق التفاصيل الاجتماعية .
في شمال وشرق سوريا :
 تُمارس مقولة المرأة نصف المجتمع بوصفها سياسة عامة .
وفي مناطق أخرى ، لا تزال المرأة عورة تُناقَش بوصفها مشكلة أخلاقية تحتاج إلى ضبط ، لا شريكاً كاملاً في المجال العام .
 هذا ليس خلافاً ثقافياً عابراً ،
 بل تناقض في تعريف المجتمع نفسه .
حتى الرموز السيادية ، التي يُفترض أن تكون جامعة ، تحوّلت إلى مرآة لهذا التنافر .
فالعملة الوطنية الجديدة ، بدلاً من أن تعكس تاريخ سوريا وحضارتها وشخصياتها الجامعة ، جاءت خجولة ، مفرغة من الذاكرة ، كأنها تخشى صورة إنسان أو أثر حضاري .
 ربما لأن الصورة ، في نظر بعضهم ، ما زالت موضع ريبة دينية أكثر منها رمزاً وطنياً .
 وهكذا اختُزلت الدولة إلى خضروات آمنة سياسياً وعقائدياً ،
لا تثير خلافاً ولا تطرح سؤالاً .
عند هذه النقطة يصبح الحديث عن تقدم في البنود أقرب إلى تمرين لغوي منه إلى تحول سياسي .
المشكلة ليست في ما كُتب ، بل في من سيملك حق التأويل عندما يبدأ التنفيذ .
هل ستُفسَّر البنود بروح دولة مدنية تعددية ؟
أم ستُعاد قراءتها لاحقاً وفق منطق الغلبة ،
والأكثرية الأخلاقية ،
وحراسة الفضيلة ؟
اللافت أن الخوف الحقيقي لدى بعض الأطراف الإقليمية ، وعلى رأسها تركيا لا ينبع من السلاح ولا من الإدارة الذاتية بحد ذاتها ، بل من احتمال انتقال النقاش من الميدان إلى السياسة .
 فالحوار السياسي ، عندما يُفتح على أسس دستورية ، يكشف الحقائق ويُسقط الكثير من السرديات الجاهزة .
 وهذا تحديداً ما لا تريده أنقرة ولا من يدور في فلكها :
حل سوري داخلي ناضج ، لا يمكن التحكم بمساره .
في النهاية ، لا يمكن بناء دولة من مشروعين ينظران إلى الإنسان ، والمرأة ، والتاريخ ، والسياسة ، بعيون مختلفة جذرياً .
الاختلاف هنا ليس في اللباس ولا في الشعارات ،
 بل في الجينات السياسية التي تحكم التفكير والممارسة .
سوريا 2026 لا تحتاج مزيداً من البيانات ولا مزيداً من التخوين المتبادل .
تحتاج شجاعة الاعتراف بأن من هزم داعش بشراكة حقيقية لا يمكن اختزاله في دور أمني ، وأن الدولة لا تُبنى بعقلية الجماعة ، ولا تُدار بالخوف من المجتمع .
أما البنود ، فستبقى حبراً على ورق …
إلى أن تتفق الجينات ، لا التواقيع .