يشكّل طرح اسم نوري المالكي لقيادة الحكومة المقبلة إذا ما تم تثبيت هذا السيناريو سياسياً، نقطة انعطاف جدّية في المشهد العراقي، فالرجل ليس وجهًا جديدًا في الحكم، بل يحمل معه تجربة سابقة ثقيلة تُثير انقسامًا واضحًا في القراءة الداخلية والإقليمية والدولية.
أولًا: الدلالة السياسية لترشيحه داخل الإطار التنسيقي
طرح المالكي لا يمكن قراءته بمعزل عن التوازنات داخل الإطار التنسيقي، أغلب قواه الرئيسية مرتبطة سياسيًا وعقائديًا بالحشد الشعبي، ما يجعل الحاجة إلى شخصية قادرة على حماية موقع الحشد، وتملك نفوذًا مؤثرًا داخل قواه، وتستطيع التفاوض مع الخارج دون تقديم تنازلات جوهرية، فهو هنا بالنسبة لتلك القوى ضمانة سياسية أكثر منه مجرد مرشح إداري.
ثانيًا: الشارع العراقي… بين صورة الرجل القوي والذاكرة الثقيلة
المالكي شخصية قطبية بامتياز، جزء من الشارع يراه رجل دولة قوي، وصاحب قرار، وقادر على فرض هيبة السلطة، في المقابل هناك شريحة لا تقل وزنًا تربط تجربته بمرحلة تفاقم الانقسام الداخلي، وتوترات سياسية وأمنية خطيرة، وإدارة صدامية للمشهد العام.
لذلك، عودته إن حدثت لن تمرّ بلا جدل، صورة “الرجل القوي” قد تجذب جمهورًا متعبًا من الفوضى، لكنها تصطدم بذاكرة سياسية لم تُمح بعد.
ثالثًا: إقليميًا — عودة المدرسة القديمة
إقليميًا ترشيح المالكي سيُقرأ بوصفه عودة لمدرسة سياسية تقليدية تميل إلى مركزية القرار
وتثبيت التحالف مع محور طهران، وخطاب أقل مرونة تجاه الخصوم الإقليميين، هذا قد يثير حذر بعض العواصم العربية خصوصًا الخليجية، التي وجدت في تجربة السوداني قناة تواصل أكثر هدوءًا وتوازنًا.
رابعًا: دوليًا استقبال حذر وتخوّف
الدول الكبرى والمؤسسات الدولية ما زالت تحتفظ بذاكرة مرحلة المالكي السابقة، لذلك عودته قد تُفسَّر على أنها رجوع إلى نمط حكم أقل شراكة وأكثر مركزية، وهناك احتمال ارتفاع حساسية الملفات الحقوقية، وتراجع في فرص الاستثمار والبيئة الاقتصادية المستقرة.
بمعنى آخر: المجتمع الدولي لن يقفز إلى الترحيب بل سينتقل إلى “المراقبة الحذرة”.
خامسًا: التيار الصدري… العقدة الأصعب
ترشيح المالكي تحديدًا يصطدم مباشرة بذاكرة الصراع مع التيار الصدري، من الواقعي توقّع رفض واضح أو ضمني من التيار، وخطابًا عالي النبرة، وضغطًا سياسيًا وإعلاميًا لمنع تثبيت الترشيح، وبالتالي فإن مرور هذا الخيار يحتاج إلى ترتيبات أوسع من مجرد توافق داخل الإطار.
سادسًا: عقدة العقد — الحشد الشعبي
الملف الأشد حساسية يتمثل في الدعوات الدولية لحل الحشد أو تحجيمه، هنا تحديدًا يظهر سبب طرح المالكي، قوى الحشد تثق بأنه لن يذهب نحو خيار الحل، وهو يمتلك علاقة مباشرة مع قادته وتياراته، ويستطيع تقديم “إصلاحات شكلية” بدون المساس بالجوهر.
الأكثر ترجيحًا ليس الحل، بل إعادة هيكلة، دمج جزئي، ضبط الخطاب والسلاح المنفلت، وكذلك
تقديم صورة مؤسساتية للخارج.
سابعًا: بين إيران وأمريكا إدارة لا حل
المالكي قادر على إدارة التوازن بين طهران وواشنطن، لكنه غير قادر ولا راغب في حل التناقض بينهما، أقصى ما يمكن تقديمه هو تسويات لفظية، وشراء وقت، وضبط الإيقاع، لكن دون التفريط بالثوابت التي تعد عنصر قوة استراتيجي لمحوره السياسي.
ترشيح نوري المالكي إن تحوّل إلى مشروع فعلي سيكون خيارًا تصادميًا لا توافقيًا، سيُريح قوى الحشد، سيقلق التيار الصدري، سيُحاط بحذر إقليمي، وسيُراقب بتوجس دولي.
العراق اليوم لا يحتاج فقط رجلًا قويًا، بل نظامًا قويًا، ومؤسسات تعمل، وقانون يُطبّق، وكذلك تراكم إصلاحي لا يعاد تصفيره كلما تغيّرت الوجوه.
العودة إلى الماضي دون مراجعة جريئة للتجربة السابقة قد تعيد فتح ملفات حاول البلد تجاوزها بدل بناء انتقال هادئ إلى مرحلة دولة مؤسسية حقيقية.
ماجستير علاقات دولية ودبلوماسية

