إلى متى نبقى حليفاً مهمشاً؟ – د. عبدالباقي مایی

 

تحليل نفسیإجتماعی

١٦\١\٢٠٢٦

لم تدعی أمريكا يوما بأنها تساعد الكورد لكی یحصلوا علی حقوقهم، ولم تصرح أیة حكومة أمریكیة فی یوم من الأیام بعدالة القضية الكوردیة لا فی حق تقرير المصير ولا في دعوة الكورد للتمتع بالحرية والإستقلال أو حتی بأدنی حقوق إنسانية فی أی جزء من كوردستان. مع هذا تستمر القيادات الكوردیة الواحدة تلو الأخری أن تقع فی فخ أمريكا عندما تری نفسها قد أصبحت قوة عسكرية قادرة علی الدفاع عن نفسها ولو إلی حد متواضع لا يتجاوز الحصول علی أسلحة بأنواع و أعداد محدودة بصورة غیر مباشرة عن طريق مجهز من قبل أمريكا خلف الكواليس، و أمریكا لاتنكر ذلك عندما تواجه حقيقة یكشفها إعلامی بارع أو جهة مخابراتية. وهذا الفخر والاعتزاز المعلن من قبل القيادات الكوردیة بالتحالف دون تأكيد الطرف الآخر إن دل علی شئ فهو یدل علی عقدة الدونية أو الشعور بالنقص.

أقول تقع القيادات الكوردیة فی فخ أمريكا ولا أ ستطبع أن أجزم بأن أیة قیادة كوردیة تستعمل أمريكا عمدا لتخون شعبها أو قضيتها الرئیسیة التی تطالب بالحقوق العادلة للشعب الكوردی، وإن كانت هذه القيادات السیاسیة فی كثير من الأحيان تفتخر بتعاونها مع أمريكا عندما تقع فی مأزق ثقة مع الشعب أو موقع ضعف أمام العدو، وذلك لرفع معنويات الشعب أو لإرسال تهدیدات إلی العدو. فأنا لست سیاسیا ولا محترفا فی قضايا التعامل بین الأحزاب والدول، ولكننی أنطلق من تحليل نفسإجتماعی لجميع ما مررت بها من خبرات شخصية مليئة بالذكريات عبر مشاركتي الفعالة فی النضال الإنساني والعلمي والأكادیمی خلال فترة تتجاوز الخمسين سنة من عمری؛ بدایة” فی نشاطات إتحاد طلبة كوردستان و من ثم فی تقدیم الخدمات المباشرة كطبيب فی القرى و الأرياف فی كوردستان قبل لجوئی إلی السوید حیث إنفتح أمامی عالم جديد رأیت فیه فرقا شاسعا بین الحركات والأحزاب السیاسیة فی العالم المتحضر وما تتسم به السياسة والتسییس فی أحزاب كوردستان، فتوضحت أمامی مشاكل الجهل والتخلف فی هیكلیة أحزابنا السیاسیة التی تقع قياداتها دائما فی فخ القوی السیاسیة فی العالم المتحضر، وذلك نتيجة لتأخر المجتمع فی كوردستان باكثر من مئات السنين مقارنة بالمجتمع السویدی علی سبيل المثال.

بما أن الأحزاب السیاسیة فی كوردستان إنعكاس للمجتمع الذی يتبع قياداته فی مسيرته التحررية ضد سلطات الإحتلال، فهی تتبع القوانين الإجتماعية التی تسود فی المجتمع الكوردستانی الذی لازال یعیش فی عصر الأسطورة وفق ما سمعته من سیاسی كوردی درس علم البشر (الأنثروبولوجيا). وهذا یعنی بأن المجتمع فی كوردستان لا زال أمامه عصور وأجيال عديدة لكی يلتحق بالمجتمع السویدی الذی كان یشبه المجتمع الكوردستانی الحالی قبل مئات السنين. وعندما توصلت إلی هذه المعلومات أصبحت تواقا إلی معرفة مسيرة التطور الذی عاشها المجتمع السویدی فی تحوله من مجتمع جماعي علی شاكلة المجتمع الحالی فی كوردستان إلی مجتمع فردی كما هو عليه الآن فی السويد. فسنحت لی الفرصة أن أتعرف علی الإختصاص الطبي الذی ساعد فی تطویر المجتمع السویدی من الناحية النفسية والإجتماعية، فكان ذلك سببا لإختیاری دراسة الصحة النفسية للطفل حیث تنفرد دولة السويد فی إیجاد إختصاص طبی مستقل للطب النفسی للأطفال والشباب. فتعرفت خلال دراستي لهذا الإختصاص علی المعاناة التی كان المجتمع السویدی یمر بها فی مرحلته الجماعیة و كیفیة عبوره لتلك المرحلة بحيث تطور المجتمع نحو مجتمع فردی عاش الحربین العالمیتین الأولی والثانیة دون أن يشارك فيها رغم عبور الجیوش المتحاربة فوقها أو خلالها. هذا ما وصل إلیه البرلمان السویدی المتكون من أحزابه السیاسیة حينذاك، نظرا لنضالها السیاسی الحریص علی مصلحة الشعب. فكيف تكونت هذه الشخصیة السليمة للفرد فی المجتمع السویدی یا تری؟

توصلت إلی قناعة مبدئیة بأن عملية بناء مجتمع متطور یجب أن تبدأ من الطفل فإخترت دراسة الطب النفسی للأطفال والشباب لكی تشمل الواقع النفسیإجتماعی للأطفال فی كوردستان ومقارنته بالأطفال السویدیین وكذلك أطفال اللاجئین من كوردستان فی السويد. فأظهرت نتائج أبحاثنا تشابها بین الأطفال وإختلافا بین الوالدين عبر الثقافات الثلاث. الأمر الذی یشیر إلی أهمية تأثير تربية الطفل فی إیجاد تلك الفروق بین الأجيال. أدت هذه النتائج إلى إنشاء “ساخلمخانا متين” لبناء شخصية سليمة للفرد كخطوة أولى نحو تكوین مجتمع متطور ومزدهر في كردستان تمثل فیه القيادة السياسية مصالح الشعب والوطن، على أمل أن تتجنب الوقوع في فخ أمريكا وغيرها من الدول، وبالتالي تنهی حقبة استغلال الكورد كحليف مهمش.