مرسوم الجولاني جزء من التحايل و ليس أعتراف: اعتراف ثقافي بلا سيادة على طريقة الحكم الذتي الكارتوني لصدام — تلميع سياسي في زمن الاحتلال

مقدمة: اعتراف منفرد في ظل القصف

في 16 كانون الثاني 2026، أصدر أحمد الشرع (الجولاني)، رئيس ما يُسمّى “الجمهورية العربية السورية”، مرسومًا رئاسيًّا يُعلن فيه اعتراف الدولة بـ”المواطنين الكورد كجزء أصيل من الشعب السوري”، ويمنحهم حقوقًا ثقافية ولغوية غير مسبوقة.
لكن هذا المرسوم صدر في نفس الأسبوع الذي تشهد فيه حيّا الشيخ مقصود والأشرفية هجومًا عسكريًّا وحشيًّا، وتُحرق فيه جثث مقاتلات كرديات، وتُجبر عائلات إيزدية على العودة إلى عفرين.

هذا التناقض الصارخ بين الخطاب والفعل يطرح سؤالًا جوهريًّا:

هل هذا المرسوم خطوة نحو العدالة؟ أم مجرد ورقة تفاوضية لامتصاص الغضب الدولي بينما تُشنّ حرب وجودية على الكرد؟

أولًا: الاعتراف الثقافي دون الاعتراف القومي

يبدأ المرسوم بالقول إن “الكورد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري”، ويصف هويتهم بأنها “جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة”.
لكن هذا الاعتراف يتجنب تمامًا استخدام مصطلح “قومية” أو “شعب”، وهو تمييز دقيق له دلالات سياسية عميقة.

  • في القانون الدولي، “القومية” (nation) تعني حق تقرير المصير، بما في ذلك الحكم الذاتي أو الفدرالية.
  • أما “مجموعة عرقية أو ثقافية”، فهي تقتصر على الحقوق الثقافية دون السياسية.

وبالتالي، فإن الجولاني يُقرّ بوجود كردي ثقافي، لكنه ينفي وجود كردي سياسي، تمامًا كما فعل النظام السابق — بل وحتى أكثر تقييدًا، إذ لا يعترف حتى بـ”المناطق الكردية” كوحدة جغرافية-سياسية، بل يصفها بـ”مدن وقرى ونواحي داخل سوريا”.

الرسالة الضمنية: أنتم موجودون… لكنكم لستم شعبًا.

ثانيًا: حقوق محدودة وممنوحة، لا مكتسبة

المرسوم يمنح:

  • لغة كردية “وطنية” (وليس رسمية)،
  • تدريسها اختياريًّا في المدارس،
  • إلغاء قانون 1962 ومنح الجنسية لمكتومي القيد،
  • جعل النوروز عطلة رسمية.

كل هذه البنود تبدو تقدمية على الورق، لكنها تفتقر إلى الأسس الدستورية والتنفيذية:

  1. المرسوم رئاسي، وليس دستوريًّا:
    • يمكن إلغاؤه بأمر رئاسي آخر.
    • لا يُلزم الحكومات القادمة.
    • لا يُنشئ مؤسسات دائمة (مثل أكاديمية للغة الكردية، أو مجلس ثقافي).
  2. لا اعتراف بالأرض الكردية:
    • لا ذكر لـ”غرب كردستان” أو “روج آفا”.
    • لا اعتراف بـ”الإدارة الذاتية” أو أي شكل من أشكال الحكم المحلي.
    • المناطق الكردية تبقى تحت السيادة المباشرة للدولة، أي تحت سلطة الجولاني وفصائله.
  3. لا مشاركة كردية في صياغته:
    • لم يُوقَّع مع “قسد” أو أي جهة كردية.
    • فُرض من طرف واحد، كـ”منحة” من الحاكم، لا كـ”حق” مُتفاوض عليه.
ثالثًا: مقارنة دولية — متى يكون الاعتراف حقيقيًّا؟

1. كندا والشعوب الأصلية:

  • اعترفت دستوريًّا بـ”الشعوب الأولى” كأمم ذات حق في الحكم الذاتي.
  • أبرمت معاهدات معهم، ووضعت آليات تنفيذية مستقلة.

2. إسبانيا وكتالونيا:

  • رغم رفض الانفصال، فإن الدستور الإسباني يعترف بـ”القوميات التاريخية”، ويمنح الحكم الذاتي لكتالونيا، الباسك، وغاليسيا.

3. العراق وإقليم كردستان:

  • الدستور العراقي (2005) يعترف بإقليم كردستان كيانًا اتحاديًّا، له برلمان، حكومة، وقوات أمن.
  • اللغة الكردية رسمية على مستوى الدولة.

4. تركيا و”التنوع الثقافي”:

  • ترفض تركيا الاعتراف بالكرد كـ”قومية”، وتكتفي بـ”الهوية الثقافية” — نفس خطاب الجولاني.
  • النتيجة: حرب مستمرة منذ 40 عامًا.

الاستنتاج: الاعتراف الحقيقي لا يكون عبر مراسيم رئاسية، بل عبر دستور يضمن الحكم الذاتي، الأرض، والمشاركة السياسية.

رابعًا: لماذا الآن؟ تحليل نفسي-سياسي للتوقيت

يأتي المرسوم في لحظة حرجة:

  • تصعيد عسكري في حلب ودير حافر.
  • تنديد أمريكي وكونغرس باستهداف “حلفاء واشنطن”.
  • ضغوط دولية لوقف الجرائم في الشيخ مقصود.
  • تلميحات تركية باستمرار الدعم شرط “تصفية قسد”.

الهدف واضح:

  1. تهدئة الغرب: تقديم “إنجاز” إنساني لصرف النظر عن الجرائم.
  2. شق الصف الكردي: عرض “مناصب وحقوق” لمن يتخلى عن “قسد”.
  3. شرعنة الهجوم: “نحن نحترم الكرد، لكننا نحارب الإرهاب (أي قسد)”.
  4. إضعاف مشروع الإدارة الذاتية: تقديم بديل “ثقافي” بلا سيادة.

المرسوم ليس نهاية الحرب، بل جزء منها — سلاح ناعم يسبق السكين.

الخلاصة: اعتراف بلا كرامة، وحقوق بلا حرية

مرسوم الجولاني لا يُقرّ بحق تقرير المصير، ولا يعترف بالكرد كقومية، ولا يضمن لهم الأرض أو الحكم.
بل هو محاولة لاستيعابهم في دولة مركزية جهادية، حيث الهوية الكردية مسموح بها فقط إذا كانت زينة ثقافية، لا أساسًا سياسيًّا.

وفي ظل استمرار القصف على دير حافر، فإن هذا المرسوم لا يُقرأ كوثيقة حقوق، بل كإعلان استسلام مطلوب:

“اقبلوا هذا القدر من الحقوق… أو ستُمحون من الخريطة”.

والسؤال الذي يطرحه الكرد اليوم ليس:
“هل نقبل المرسوم؟”
بل:
“كيف ندافع عن وجودنا عندما يُقدّم القاتل نفسه كمنقذ؟”