في اللحظات المفصلية من تاريخ الشعوب ، لا تكون الحاجة إلى الانفعال ، بل إلى الوضوح .
والوضوح اليوم يفرض علينا أن نقول ما نشعر به دون مواربة ، وأن نتمسّك بحقنا في الغضب دون أن نفقد بوصلتنا الأخلاقية أو رؤيتنا للمستقبل .
نحن نعيش مرحلة ثقيلة ، ليس لأن الطريق انتهى ، بل لأن التناقضات انكشفت بحدّتها القصوى .
شعبٌ قدّم تضحيات جسيمة دفاعًا عن الإنسان وحقه في الحياة ، يجد نفسه مرةً أخرى أمام عالمٍ يتعامل مع الدم ببرود المصالح ، ويعيد ترتيب القيم وفق منطق القوة لا العدالة .
آلاف الشهداء سقطوا وهم يواجهون واحدة من أكثر موجات الإرهاب ظلامًا ووحشية . لم يدافعوا عن قضيةٍ ضيقة ، بل عن فكرةٍ إنسانية كبرى :
أن لا يُترك العالم رهينة للقتل والتكفير .
ومع ذلك ، لم يُحفظ العهد ،
ولم تُصن التضحيات كما ينبغي ،
وكأن ما قُدِّم يمكن اختصاره في هامشٍ سياسي قابل للتجاوز .
الأكثر إيلامًا ليس غياب الإنصاف ،
بل انقلاب المعايير .
من كان يُصنَّف بالأمس ضمن قوائم الإرهاب ، يُعاد تقديمه اليوم بلغة جديدة ،
ومن وقف في مواجهة الإرهاب ،
يُطالَب بالصمت ، وضبط النفس ،
وقبول الأمر الواقع .
هكذا تُدار السياسة الدولية حين تُفصل عن أي مضمون أخلاقي أو إنساني .
غضبنا اليوم ليس دعوة إلى الفوضى ،
ولا تعبيرًا عن نزعة انتقامية ، بل موقف سياسي وأخلاقي واضح .
غضبٌ يرفض النسيان ،
ويرفض القبول بتزييف الوقائع ،
ويرفض تحويل التضحيات إلى أوراق منتهية الصلاحية .
ومع ذلك ، نؤكد بوضوح :
هذا الغضب لا يدفعنا إلى الخلف ،
ولا يجرّنا إلى خيارات عبثية .
نحن شعب متجذّر في هذه الجغرافيا ، وجوده ليس طارئًا ولا قابلًا للإلغاء .
أرضنا ليست موضوع مساومة ،
بل ذاكرة حيّة ،
فيها قبور أجدادنا ،
وتضحيات شهدائنا ، وتجربة سياسية واجتماعية تشكّلت عبر عقود طويلة من النضال .
روژآفا ، بكل ما حملته من آمال وآلام ، ليست لحظة معزولة ،
بل جزء من مسار تاريخي أوسع .
وما نمرّ به اليوم ، مهما بلغ من القسوة ، ليس نهاية الطريق ،
بل مرحلة تتطلّب وعيًا أعلى ، وتنظيمًا أعمق ، ونَفَسًا أطول .
نحن نحمل أمانة ثقيلة ،
أمانة الذين استشهدوا وهم يؤمنون بأن الحقوق لا تُمنح ، بل تُنتزع بالنضال المشروع ،
وبالعمل السياسي المسؤول .
هذه الأمانة لا تُصان بالشعارات ، بل بالثبات ، وبالقدرة على الجمع بين المبدأ والواقعية ، دون التفريط بأيٍّ منهما .
نعم الواقع السوري تغيّر ، ويفرض اليوم مقاربات جديدة . لكن التعامل العقلاني مع الواقع لا يعني الاستسلام له ، بل السعي إلى تغييره بأدوات سياسية وقانونية ، وبخطاب وطني ديمقراطي ، يضع الإنسان وكرامته في مركز أي مشروع مستقبلي .
وفي هذا السياق ،
لا بد من مراجعة نقدية شجاعة لتجربتنا ، مراجعة تهدف إلى التعلّم والتصحيح ، لا إلى جلد الذات أو تبادل الاتهامات .
فالتجارب القاسية ، مهما كانت مؤلمة ، تبقى مصدرًا للوعي إن أُحسن التعامل معها .
قد يكون الإحباط حاضرًا ،
لكن اليأس ليس خيارًا .
وقد تكون الخسارات كبيرة ،
لكن التراجع ليس طريقًا .
ننظر إلى الأمام فقط .
نتمسّك بحقوقنا المشروعة دون تطرّف ،
ونحمي تضحيات شهدائنا دون مزايدة ،
ونورّث أبناءنا قيم الشهامة ، والنبل ، والالتزام بالقضية ،
لا كخطابٍ عاطفي ، بل كمسؤولية تاريخية .
لسنا ضيوفًا في هذه الأرض ، ولن نكون .
ومن أرضٍ فيها قبور أجدادنا ودماء شهدائنا ، لا نرحل .
وعلى حقٍ تأسس بالتضحيات ، لا نساوم .
عاش الشعب الكُردي حرًا كريمًا ،
والخزي لكل من ظنّ أن الذاكرة تُمحى ،
أو أن الحقوق تسقط بالتقادم .

