تتأرجح أقدار الشعوب فوق صفيح التاريخ المستعر، حيث لم يعد السؤال في جغرافيا الوجع الكوردي مجرد خيار منتظر، بل غدا حتمية وجودية تفرضها سنن الكون وقوانين القدر في هذه اللحظة الحرجة. حين ينطق صوت العقل محذرًا من أن تجاهل الجرح لن يوقفه عن الهدم، بل سيجعل الضماد بيد غيرك، فإنه يشير إلى حقيقة ساطعة: إن قضية شعب الكورد ليست عقدة محلية زائلة، بل هي بوصلة الشرق ومركز ثقله المهتز. إن لم تبادر القوى القائمة إلى صياغة فجر جديد، فإن رياح التغيير العالمية، التي لا تحابي الأنظمة المستعلية، ستقتحم الأبواب لترسم ملامح الخلاص؛ فمن لا يقرأ نبض الزمن، يجد نفسه في قيود القصاص وتلاشي الأثر.
وفي خضم هذا التلاطم، تبرز تجليات المسيرة الجديدة كنسمة باردة في قيظ صراعات لا ترحم، لكنها تظل مسكونة بظلال الحذر في سماء المتاهات. إن الحديث عن المسارات السلمية لا ينبغي أن يكون مجرد مناورات حزبية، بل دعوة لتفكيك بنية العنف لبعث روح السلام في النفوس المتعبة. إلا أن المعضلة تكمن في تلك العقلية التي تأبى التحول، وتريد للحل أن يكون ثوبًا يكرس التبعية. إن محاولة التوصل إلى وفاق مع الحفاظ على الأنا المتضخمة التي ترفض التغيير، هي محاولة لحرث البحر في زمن التقرير؛ إذ لا يمكن لسلام حقيقي أن يولد من رحم ذهنية لا ترى في العدالة إلا سهمًا يخرق سقف سيادتها ويقوض أركان تسلطها.
إن الدولة التي تخشى من ظلها وتتنكر لحقوق البشر، تعيش اليوم خريفًا يشبه مخاض الإمبراطورية في ساعات الخطر، حيث يضيق الأفق وتتهاوى الحلول تحت وطأة الأزمات والانسدادات التاريخية. إن قضية الكورد هي اختبار لنضج الضمير، وقدرته على تجاوز النزعة الضيقة نحو آفاق القانون المنير، الذي يقدس الإنسان لكونه غاية تتنافى مع القهر. لا يمكن الحديث عن حل بينما تكتظ الزنازين بالأحرار، وبينما يظل الرموز رهن الاعتقال خلف أسوار الحصار، ضحايا لعدالة عرجاء تتجاهل صوت الدستور. إن السلام يبدأ من الاعتراف باللغة الأم كحق طبيعي، وينتهي بتحرير الروح من أغلال القوانين الجائرة التي تقتل الحلم الجميل في مهده.
إن الأمل الذي يحدونا ليس محض خيال، بل هو إدراك بأن قطار التاريخ قد تجاوز محطات المحال، فإذا ما تلاقت إرادة الشعوب وتطلعات الروح الحرة، سيجد المترددون أنفسهم في عزلة أمام التحولات المستمرة. الحل ليس مكرمة، بل هو استحقاق يُنتزع من براثن الصمت، عبر الالتزام بمعايير الديمقراطية ورفض التهميش. إننا أمام لحظة فاصلة: إما الانحياز لجوهر الوجود والاعتراف بالحقوق، أو مواجهة التحلل الذي تسبقه الحروق. وفي ختام هذا المسار والوجدان الراسخ، سيظل الوعي الكوردي شاهدًا على أن الحرية لا تقبل القسمة، وأن الحق الذي يحرسه الوجدان سيظل في كوردستان عنوانًا للعزة والكرامة السامية والرفيعة.
بوتان زيباري
السويد
30.03.2026

