في الأزمنة التي تتعب فيها الديمقراطيات من الدفاع عن نفسها، تتحول الحرية إلى عبء أخلاقي مؤجل، وتصبح حقوق الشعوب مجرد تفاصيل هامشية في دفاتر المصالح الكبرى. هكذا يبدو المشهد التركي اليوم، لا بوصفه حادثة سياسية عابرة، بل باعتباره مرآة لعصرٍ عالمي يتراجع فيه الإيمان بالإنسان أمام صعود القوة العارية. الصمت الغربي تجاه ما يجري داخل تركيا ليس صدفة دبلوماسية، بل نتيجة تحوّل عميق في بنية النظام الدولي، حيث لم تعد الديمقراطية قيمة ثابتة، بل أداة تُستخدم حين تخدم النفوذ، وتُهمَل حين تتعارض مع الحسابات الجيوسياسية.
في السنوات الأولى من حكمه، أدرك أردوغان أن الطريق إلى تثبيت سلطته يمر عبر بوابة أوروبا. رفع شعارات الإصلاح، وارتدى خطاب الديمقراطية، وقدّم نفسه باعتباره نموذجًا إسلاميًا متصالحًا مع الغرب. يومها، لم يكن الاتحاد الأوروبي مجرد حلم خارجي، بل وسيلة داخلية لتفكيك خصومه وإعادة تشكيل الدولة وفق توازنات جديدة. كانت عضوية الاتحاد الأوروبي أشبه بدرعٍ سياسي مكّنه من تحييد المؤسسة العسكرية وجمع تيارات متناقضة داخل تحالف واحد، من الليبراليين إلى المحافظين، تحت راية “تركيا الديمقراطية الجديدة”. لكن السنوات كشفت أن ذلك الانفتاح لم يكن تحولًا فلسفيًا بقدر ما كان تكتيكًا مرحليًا في معركة السلطة.
ومع كل محطة انتخابية خسر فيها جزءًا من السيطرة، كان وجه النظام الحقيقي يخرج من خلف الأقنعة. في انتخابات حزيران 2015، حين خسر الحزب الحاكم أغلبيته البرلمانية بعد صعود حزب الشعوب الديمقراطي، ظهرت أول إشارة واضحة إلى أن الإرادة الشعبية تصبح غير قابلة للاعتراف حين لا تنتج النتيجة المطلوبة. ثم جاءت انتخابات إسطنبول عام 2019 لتكشف مرحلة أكثر خطورة، عندما أُعيد الاقتراع بعد خسارة مرشح السلطة، وكأن الصندوق لم يعد معيارًا للحقيقة بل أداة قابلة للتعديل. أما اعتقال أكرم إمام أوغلو، بعد تحوله إلى رمز جماهيري واسع، فقد بدا للكثيرين إعلانًا صريحًا بأن السلطة لم تعد تخشى الاتهام بالاستبداد، لأنها لم تعد ترى في العالم من سيحاسبها.
غير أن فهم المشهد التركي بمعزل عن البيئة الدولية يظل قراءة ناقصة. أوروبا التي رفعت يومًا راية حقوق الإنسان، هي ذاتها التي عقدت اتفاق اللاجئين عام 2016، وقدّمت حماية سياسية غير معلنة لأنقرة مقابل وقف تدفق المهاجرين. منذ تلك اللحظة، فهمت السلطة التركية أن الغرب مستعد لغضّ البصر عن التراجع الديمقراطي إذا ضمنت له أنقرة أمن الحدود والمصالح الاستراتيجية. أما الولايات المتحدة، فلم تكن يومًا جمعية أخلاقية تُعنى بحريات الشعوب بقدر ما كانت قوة تبحث عن توازنات النفوذ. ومع صعود ترامب، اكتسب المشهد بعدًا أكثر صراحة، إذ تحولت العلاقة مع القادة السلطويين إلى نوع من الإعجاب المعلن بالقوة المجردة، لا بطريقة وصولها إلى الحكم.
لقد نشأ عالم جديد يُكافَأ فيه الحاكم القوي حتى لو صادر الحريات، ما دام يحفظ التوازنات الكبرى. لهذا لم تعد أوروبا ترى في تركيا مشروعًا ديمقراطيًا، بل شريكًا عسكريًا وجيوسياسيًا لا يمكن الاستغناء عنه في البحر الأسود، والشرق الأوسط، والملف الروسي. وفي ظل هذا المناخ، بات الاستبداد يُعامل كأمر واقع لا كفضيحة سياسية.
ومع ذلك، فإن أكثر ما يكشف هشاشة الأنظمة السلطوية هو خوفها الدائم. الدكتاتور الذي يملأ السجون بالخصوم ليس قويًا كما يبدو، بل مرتعب من احتمال أن يكتشف الناس ضعفه. السلطة التي تلغي معنى الانتخابات، وتعتقل المنافسين، وتطارد الأحزاب، تفعل ذلك لأنها تشعر بتآكل شرعيتها. الزعيم الواثق لا يخشى صندوق الاقتراع، أما المرتجف من الداخل فيحوّل الدولة كلها إلى جهاز دفاع عن بقائه الشخصي. ولهذا فإن القمع، مهما بدا صلبًا، يحمل في جوهره اعترافًا خفيًا بالخوف، لأن الطغيان ليس ذروة القوة، بل ذروة القلق.
بوتان زيباري
السويد
26.05.2026

