أحلام… التبعية الايرانية – المهندس عدنان علي

 

(القصة حقيقية كتبت بتصرف)

بغداد – شارع الكفاح عام 1984

اعتادت ان تسير كل يوم الى عملها متخذة ذات الطريق.

بخطوات وئيدة, لم ترفع رأسها عن الارض طوال الطريق, ولم يلاحظها احد وهي على غير تلك الحالة.

غامقة الالوان ملابسها, محتشمة جدا.

مسحة الحزن غالبة على محياها, ويزيدها ذلك جمالا.

جمالا كان مدعاة للفت نظر الشباب أليه, لم تلتفت يوما الى كلمات يُسمعها اياها الشباب المتوقف في دربها, مبدياً اعجابه بها, سواء كانت تلك الكلمات مجرد تحرش عابر او من وراءهِ قصد.

كان كل همها ان تصل الى عملها دون تأخير, وتشّمر هناك عن ساعدها لأعداد الطعام للتلاميذ, فهي عاملة تغذية بأجورٍ يومية في احدى المدارس التي شُملت بنظام التغذية الذي اُقر في نهاية السبعينيات من القرن الماضي.

كانت تعد اكواب الحليب وشطائر الجبن, ثم تقوم بتوزيعها على التلاميذ في فسحة التغذية بأشراف المديرة, عمل لا يتطلب مهارات او شهادات للقيام به, واجور ذلك العمل كان يشعرها بوجودها, يُبعد عنها الافكار التي كانت تنتابها بانها ليست سوى عالة على اختِها وزوجِها, فهي لم تكمل دراستها المتوسطة أذ رسبت سنتين متتاليتين ورقن قيدها في المدرسة حيث كانت طالبة.

لا دراسة ولا حرفة تجيدها, كل ما تجيده هو ما تجيده كل فتاة التنظيف والترتيب والمساعدة في اعمال البيت, فكان عملها الحالي نجدة لها من السماء لتنقذها من الشعور بكونها عالة.

وان كانت تقّرع دائما من اختها (امل) التي كانت تكبرها بخمس سنوات وزوجها حين تشتري شيئا للبيت.. كانوا يطالبونها الاحتفاظ بالأجور التي تتقاضاها من المدرسة على قلتها لزمانها الغادر الذي تعيشه, ولكنها كانت تخبرهم بسعادتها حين تشعر بانها مفيدة, بانها تقدم للبيت الذي آواها شيء مما ينقصه.

  • لا تشعريني اني بلا فائدة , اطلبي مني شيئا اعمله
  • ولكنك تأتين من المدرسة متعبة , منهكة
  • لا عليك, في العمل البيتي راحتي

وهي كانت كذلك, فما ان تعود الى البيت, حتى تساعد اختها في الترتيب والتنظيف.

لم تكن تزور احد, فمنذ ان اصبحت في كنف اختها اخذت تحب الجلوس في غرفتها وإمضاء الوقت في التطريز او التفكير في مستقبلها او استحضار ماضيها مع عائلتها الكبيرة.

العمل كان هو المتنفس الوحيد لها لتخرج وتتكلم مع الاخرين, ذلك العمل الذي أمّنه لها زوج اختها عن طريق صديقه, والذي كانت له صلة قرابة بمديرة المدرسة, طلبت المديرة مقابلتها, وما ان فعلت حتى قبلتها فورا لما كانت عليه من جمال الوجه ونظافة وترتيب الثياب التي ترتديها. لكن المديرة اخبرتها انها ليست موظفة دائمة بل عاملة بأجور يومية, وذلك من صلاحيتها.

وافقت احلام على ما طرحته المديرة, وباشرت العمل في اليوم التالي وهي سعيدة.

ومنذ ذلك اليوم كانت (احلام) تتخذ ذات الطريق وبذات الهيئة التي عليها والتي جلبت انظار (موفق) السمكري الذي يقع محله في طريقها, كان ينتظرها كل يوم ولا يغادر مكانه الا بعد ان تغيب عن ناظريه.

سار خلفها مرة. حاول التحرش بها مرة, ولكن احلام لم تنظر اليه وكأنها لم تسمعه او بالحقيقة كأنه غير موجود اصلا..

  • هذه الفتاة هي الاجدر بإنجاب وتربية اطفالي

هكذا كان يقول (موفق) للخلص من اصدقائه. وقد حذرهم من ان يتحرشوا بها او يسمحوا لأحد بالتحرش بها لانها تخصه.

لم يتأخر الامر كثيرا, جاءت النسوة من اهل (موفق) الى بيت (امل) اخت (أحلام) بحجة انهن ضيوف, ولكنهن في الحقيقة جئن لجس النبض ورؤية (احلام), الفتاة التي سلبت لب ابنهم (موفق).

ما أن رأينها على ما هي عليه من جمال وحياء حتى اكبرنها, وقررن ان هذه الفتاة هي الزوجة المناسبة لأبنهن (موفق), ذلك الامر اثار بقدر فرح أمل اخت احلام, اثار مخاوف دفينة لم تجد (امل) الا ان تبثها الى زوجها الذي قال

  • ان كان يحبها ويريدها زوجة له ومتمسك بها فلن يثنيه شيء..
  • هل يعني هذا ان اخبرهم
  • بالتأكيد, اخبريهم بكل شيء هذا زواج, يجب ان يبنى الامر على الوضوح والصدق, ان قبِل بها على ما هي عليه فأهلا, ان رفضها فهي هنا معنا تحت جنحنا, ولا يتغير شيء.
  • لقد ماتت امي وتركت حمل (احلام) كبيرا وثقيلا على صدري, انها امانة في عنقي
  • الله يرحم عمتي

احلام كأي فتاة مثلها في مقتبل العمر تبحث عن الامان, تبحث عن الاستقرار لمستقبلها الذي جعلوه محاط بغيوم وضباب الخوف والترقب, كانت سعيدة انها ستستقر مع رجل لطالما اسمعها كلمات تدل على رغبته الشديدة في الاقتران بها, لطالما ابدت تجاهلها له, ولكن في داخلها كانت سعيدة لسماعها ذلك الكم الهائل من الاطراء, من رجل لم تكن تلتفت اليه بعينها, ولكنها كانت تراه من خلال كلماته التي تسمعها, تمنته ان يكون كزوج اختها, محب ومملوء بالحنان الذي سيعوضها عما لاقته في الفترة السابقة.

جاءت النسوة مجددا للحديث في التفاصيل, بعد ان حقق اللقاء الاول النجاح, جئن لوضع النقاط على الحروف, كما يقولون, قبل مجيء الرجال والالتقاء ببعض لحسم الامر, كانت النسوة متأكدات من انهاء الامر هذه المرة, لما لمسنه  في المرة السابقة من استقبال وضيافة وتجاوب.

لم تدخل (احلام) اليهن هذه المرة, بل دخلت اختها (امل) عليهن هذه المرة لتوضيح النقاط المبهمة في حياتهم, بعد كلمات الترحيب التقليدية قالت (أمل) بكلمات حذرة بطيئة

  • يجب ان نقول ونوضح بعض الامور, ابانا تم اسقاط الجنسية عنه وتسفيره الى ايران, ولم يتبقى من عائلتنا غيري انا واختي احلام, انا بعهدة زوجي الذي تمسك بي, اما اختي احلام فقد بقيت بعهدة امي, لم نسفّر مع ابي نعم, لكن تم حجز الجنسية عنا, ووضع قيد احمر على اسمينا في سجل النفوس
  • يعني انتم عجم, (قالت المراءة الكبيرة من بين النسوة ويبدو انها ام موفق وكررت) يعني انتم عجم, وبدون جنسية
  • كانت لنا جنسية, ولكن سحبت منا.. نحن..(حاولت الاخت التوضيح)
  • انتم ماذا؟!,(قالت ام موفق بحدة)انتم ماذا؟! انا ام الولد, ام العريس, وكلامي هو الفيصل هنا, اسمعي لا نريد هذه القسمة, وهناك الكثير غير اختك, نحن لا نريد ان نأتي بتهمة الى بيتنا, لا نريد ان يكون بيتنا مزارا لطلب المعلومات من قبل رجال الحزب والامن, حسنا فعلت ان قلت هذا من البداية وكفيتنا الحديث

لفت عباءتها وهي تنهض على الرغم من ان بعضا ممن جئن حاولن ثنيها, الا انها لم تلتفت اليهن ومضت نحو الباب لتخرج, بعض النسوة قبّلن (أمل) اعتذارا وطيبن مشاعرها ببعض الكلمات.

حين خرجت النسوة. نظرت أمل الى احلام التي كانت ممسكة بدرابزين السلم متهيأة للنزول والسلام على من جئن لخطبتها, لكن حين لاحظت خروج النسوة بتلك السرعة توقفت وترددت في النزول, فهمت الموضوع كله من اختها وهي تنظر اليها تلك النظرات الحزينة وتهز راسها نافية حدوث شيء, لم تجد احلام لا العودة الى غرفتها وترمي بنفسها على السرير لتغرق وسادتها بدموعها

  • طبعا (قال زوج الاخت) نتيجة طبيعية للشحن الذي يمارسه رجال النظام والحزب ضد كل ما لا يرضون عنه, وأسهل تهمة العمالة والخيانة والانحياز هذه هي النتيجة
  • ولكن نحن لا علاقة لنا بالأمر(قالت الاخت بلوعة) الموضوع موضوع زواج وجمع رأسين بالحلال وهو ليس موضوع سياسي
  • ولو (قال زوج أمل معقبا) حين سفّر عمي اقصد أباكِ, وكنتم ايضا على وشك أن يأخذوكم معه همس احد ضباط الامن في اذني وقال (طلق زوجتك ولتلتحق بأباها وانا اضمن لك مكافأة خمسة الاف دينار..!!) تصوري خمسة الاف دينار هي كل ما تساويه عائلتي عند النظام, لكني رفضت وتمسكت بكِ لأنك لا تقدرين بثمن
  • كانت امي تعتقد ان الامر لا يعدو زوبعة في فنجان, وتعود الامور الى مجاريها وان لم يكن الامر كذلك كانت ستبيع كل شيء وتلتحق بأبي مع احلام, لكنها اكتشفت انهم صادروا كل شيء حتى البيت الذي كنا نسكنه اصبحنا ساكنيه فقط لا ملاكه, لا نستطيع التصرف فيه, وماتت امي بعد سنة من الحسرة والقهر ورسبت احلام للسنة الثانية في امتحان المتوسطة ليرقن قيدها, هذا ما يجيدوه ترقين القيود.

في اليوم التالي كانت احلام في طريقها الى العمل.. حين تقدم اليها موفق قائلا

  • اعتذر عما بدر من امي يوم امس, ولكن صدقيني انا لم اكن اريد الامور تصل الى هذا الحد, وعاتبت امي ولن اترك الامر الا وانتِ زوجتي, لا علاقة لي بأي شيء, ولا اعرف اي شيء سوى اني احبكِ

لم تستجب احلام لتلك الكلمات بل اخذت طريقها كما اعتادت ان تفعل.

ولكن تلك الكلمات بعثت في نفسها بعض الامل في نجاح الامر وتحقيق حلمها, وتكرر الامر مرة اخرى في اليوم التالي والذي بعده وبعده.

عهد منه وكما يبدو انه لا يستطيع الوفاء به.

ولم تأت النسوة لخطبتها, أمل اختها اخبرتها ان تترك الامر.. لن يأتوا

ذات صباح استدعتها المديرة الى غرفتها وقالت لها

  • احلام, لا شك انك عاملة مخلصة وامينة, ولم اتلق اي شكوى منكِ او عليكِ ولكن.

هناك من جاء متطوعا ليخبرني ان اباكِ قد اسقطت الجنسية عنه وسفّر الى ايران, وهذا الامر لم اكن اعرفه حين قبلت ان تعملي عاملة تغذية بأجور يومية في المدرسة, بل انا من سعيت للحصول على الموافقات اللازمة من التربية, بعد ان لمست نظافتك وجديتك في العمل لغرض صرف مستحقاتك, ولكن انا اسفة وزارة التربية وزارة مقفلة على الموالين للحزب والثورة فقط, واكيد بحالتكِ هذه لا تعتبرين كذلك.

وانا اطلب منكِ بهدوء ان تغادري المدرسة حالا, وستصل اليكِ اجور الايام التي عملتِ بها

  • ست (خنقت احلام العبرة .. ) ست (لم تستطع الكلام مهما حاولت)
  • احلام, من تطوع ليخبرني بحالتك هدد بصورة مبطنة في حال رؤيتك في المدرسة مرة اخرى, او في طريقك اليها, فأنه سيبلغ من هو اعلى مني وظيفيا وحزبيا, وانا صاحبة عائلة ولي مسؤوليات, لا اجد بدا من الطلب منكِ مغادرة المدرسة حالا.

عندها لن تستطع احلام الا البكاء وذرف الدموع وفيما هي تداري دموعها بعيدا عن اعين المديرة وقعت عينها على صورة للرئيس وهو مبتسم كأنه يستهزأ مما اصابها, كأنه يسخر منها.

لم تطق أم موفق الحاح ابنها, فقررت قطع الطريق على ابنها بحرمانه من رؤيتها, على امل ان الايام ستشفي سقمه وشغفه بها, لم تعلم ام موفق ان دواء ابنها كان نصلا غرزته في قلب (احلام).

عادت احلام الى البيت باكية على غير موعدها, استغربت اختها أمل الامر فسألتها

  • احلام
  • احلام ( توقفت احلام وقالت) عن اي احلام تتكلمين, عني انا؟!, انا لم اعد احلام بل كوابيس تخشاها الناس وتبتعد عنها, ليس هناك احلام اختي, انا لم اعد احلام .. بل انا مجرد احلام التبعية الايرانية.

 

One Comment on “أحلام… التبعية الايرانية – المهندس عدنان علي”

  1. قصة حزينة هي واحدة من آلاف القصص الدرامية التي وقعت انذاك في جمهورية الرعب العراقية. في تلك الأيام ومنذ 1975 كنت منفيا من مدينتي الجميلة كركوك إلى بغداد، شهدت بنفسي امارات الحزن والقلق بادية على وجوه الناس وخصوصا في الأماكن التي كان الأخوة الكورد الفيلية يتواجدون فيها مثل الشورجة وشارع الكفاح والنضال و منطقة المربعة وقنبر علي. كان الناس يعيشون في قلق على مصيرهم بشكل يومي، لم يكن أحدا يأمن ويضمن سلامته في البقاء في وطنه الذي ولد فيه. وكان السؤال الذي يؤرقهم هو متى سيداهم جلاوزة امن النظام بيوتهم ليلا بتهمة التبعية لزجهم نساء وعجائز واطفال بلا رحمة داخل سيارات الزيل العسكرية لالقاءهم وراء الحدود؟

Comments are closed.