يشهد المشهد السياسي العراقي تحولاً دراماتيكياً مع تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة، هذا الاختيار لم يكن وليد الصدفة بل جاء نتيجة تقاطعات معقدة بين الرغبة في الاستقرار الداخلي والتعامل مع إعصار التغيير القادم من واشنطن.
أولاً:- نجاح الإطار في اختيار شخصية خارج الرادار
نجح الإطار التنسيقي هذه المرة في تجنب فخ الأسماء الصدامية:- اختيار الزيدي وهو شخصية ذات خلفية اقتصادية ولم يتلوث تاريخه بالصراعات الحزبية المباشرة ويمثل استراتيجية الانحناء للعاصفة التي تخاف منها أغلب القوى السياسية، لذلك هو الحل الأفضل في ظل هذه المعطيات .
تجاوز العقد التاريخية:- بالابتعاد عن خيار الولاية الثانية للسوداني أو عودة المالكي، قطع الإطار الطريق على المعارضين الذين يتخوفون من تغول طرف واحد على حساب القوى المنضوية في التحالف الشيعي .
براغماتية التكليف:- اختيار وجه شاب وغير جدلي يرسل رسالة طمأنة للشارع وللمجتمع الدولي بأن المرحلة القادمة هي مرحلة إدارة واقتصاد لا مرحلة تصفية حسابات.
ثانياً: طبيعة الدعم الداخلي (توافق الضرورة)
لم يحصل المكلف على الدعم حباً في برنامجه بقدر ما هو خيار الضرورة لإنهاء حالة الانسداد، حيث استطاع الإطار ترميم صدوعه الداخلية عبر هذا الترشيح، معتبراً إياه الخيار الآمن الذي يحفظ توازن القوى بين فصائله المختلفة، أما القوى السنية والكردية أبدت ليونة واضحة حيث ترى في الزيدي شخصية يمكن التفاهم معها بعيداً عن الأيديولوجيات الجامدة.
ثالثاً: السر في الغزل الترامبي للمكلف
أثار دعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القوي والمباشر للمكلف تساؤلات كثيرة، السر يكمن في ثلاثة أبعاد نلخصها بالاتي :-
الخلفية الاقتصادية:- ترامب بعقليته التي تميل لرجال الأعمال يفضل التعامل مع تكنوقراط يركزون على الصفقات والاستقرار النفطي بعيداً عن الشعارات السياسية.
كبح النفوذ الإقليمي:- ترى واشنطن في دعم شخصية مستقلة نسبياً فرصة لتقليل الارتباط العضوي لبغداد ببعض المحاور الإقليمية التي يتشدد ترامب ضدها .
رسالة استقرار للأسواق:- دعم ترامب هو بمثابة ضوء أخضر للشركات العالمية للاستثمار في العراق وهو ما يتوافق مع رؤية الزيدي الاقتصادية.
رابعاً:- هل ينجح الزيدي في المرور داخل البرلمان؟
المؤشرات الحالية تميل كفتها نحو نعم، ولكن بشروط نوجزها بالاتي :-
السيناريو الأرجح:- سيمر الزيدي بأغلبية مريحة نتيجة الدعم الدولي والأمريكي تحديداً، والتوافق الإطاري-الكردي-السني.
العقبات المحتملة:- تكمن العقبة الوحيدة في المحاصصة عند توزيع الحقائب الوزارية، إذا حاول المكلف التمرد على القوى التي رشحته في اختيار طاقمه فقد يواجه عرقلة في اللحظات الأخيرة.
نحن أمام نسخة عراقية جديدة تحاول الموازنة بين رغبات الداخل العراقي وتشدد الإدارة الأمريكية الجديدة في التعامل مع القوى السياسية العراقية .
نجاح الزيدي في البرلمان شبه مضمون، لكن نجاحه في الشارع سيعتمد على مدى قدرته على تحويل هذا الدعم الدولي إلى نتائج ملموسة في جيوب العراقيين.

