تأملات في جغرافيا الروح وبوصلة الكيان – بوتان زيباري

 

تقف الذاكرة السياسية في فضاء الشرق على حافة هيكل خارجي، جسدٌ ممتد على خارطة رسمتها الحدود والأسوار، لكنه يفتقد النفخة التي تمنحه الحياة والخلود. إن الأزمة الجوهرية التي تعصف بوعينا المعاصر تنبع من فجوة عميقة بين شكل الكيان ومضمونه الفلسفي؛ إذ شُيدت المعاهدات والمؤسسات والشركات، بينما أُهمل الإنسان الذي هو غاية الوجود ومنطلق الحضارة. صِيغت القوانين والدساتير بحبر جاف لم يلامس وجدان الجماهير، فبقيت الكلمات نصوصاً باردة تعجز عن ردم فجوة الجفاء التاريخية بين الفرد وسدّة الحكم. تحول الوطن في هذا المشهد إلى مجرد سلطة تطالب بالخضوع المطلق، وصار العقد الاجتماعي غائباً، في حين أن جوهر السياسة الحقة يكمن في الشراكة الحرة، لا في ثنائية الحاكم والمحكوم التي تلغي إرادة الأمة.

إن هذا الغياب الطويل للميثاق الاجتماعي الحُر أنتج شروخاً بنيوية عميقة في جدار الوعي الجمعي؛ أولها تلك العزلة الشعورية التي جعلت المواطن يرى في مؤسسات بلاده كياناً غريباً وقاسياً، وليس بيتاً آمناً يلوذ به. كما تسبب في خلط معرفي خطير بين مفهوم الدولة الثابتة والنظام السياسي المتغير، فغدت الدولة في الأذهان شخصاً متقلب الأهواء يُرضيه التملق ويسخطه النقد، بدل أن تكون مظلة قانونية راسخة تتجاوز الوجوه والمراحل الزمنية. ومع كل هزة سياسية أو تحول في هرم السلطة، يعيش المجتمع زلزالاً مدمراً يهدد كيانه، نظراً لغياب البنية المؤسسية الحقيقية القادرة على امتصاص الأزمات وحماية الإنسان من تقلبات العواصف السياسية.

ولم تقف آثار هذا التغييب عند السياسة فحسب، بل امتدت لتخنق شرايين الحياة الاقتصادية؛ فالنمو الاقتصادي لا يستقيم دون بيئة تشريعية مستقرة، والأمن القانوني يظل وهماً ما لم يتربع القانون فوق الجميع دون استثناء. لقد تحول الاستثناء في واقعنا إلى قاعدة عامة، مما اغتال فكرة العدالة في مهدها. وترافق ذلك مع أزمة أشد فتكاً تمثلت في ضياع الهوية والبوصلة؛ إذ تاهت الكيانات بين الولاءات الفرعية، من عشائرية وطائفية وحزبية، دون الاتفاق على مفهوم ناصع للمواطنة، مما جعلها مجرد آلات إدارية تفتقر إلى أي مشروع حضاري ملهم.

لقد توّج هذا التيه بإنتاج فوبيا السلطة من الحرية، حيث ساد ذعر جماعي من النقد والمساءلة والصوت المختلف، في حين أن القوة الحقيقية لأي كيان تكمن في قدرته على استيعاب الأسئلة الصعبة وتوسيع مساحات الحوار المعرفي. ومع انشغال المجتمعات بإطفاء الأزمات اليومية والمعيشية، انطفأ الخيال السياسي وجفّ الحلم الجماعي بالمستقبل، لتختزل الصورة في أذهان الناس إلى مجرد جهاز خدماتي شحيح، يفقد بريق الفكرة المُلهمة.

إن الانعتاق من هذا المأزق التاريخي يتطلب صياغة ميثاق إنساني جديد، عقد تولد فيه سلطة عاقلة تحتضن مواطناً حراً وواعياً، تحت سيادة قانون عادل واقتصاد متوازن وهوية مرنة تفخر بالتنوع البشري. إننا بحاجة إلى كيان سياسي يحمل ضميراً حياً، يمنح الحقوق طوعاً دون استجداء، ويزرع الأمان في النفوس، لتتضح فيه أخيراً حدود الواجبات والمسؤوليات، وينطلق الإنسان نحو آفاق الإبداع والحرية.

بوتان زيباري

السويد

15.05.2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *