مدخل: الفارق المفضوح بين الإمكان والواقع
ثمة مفارقة صارخة تطرح نفسها على كل تونسي يقف أمام رفّ السمك في السوق: كيف يكون السردين — الذي كان يُعرَّف بـ”سمك الفقراء” — بعيد المنال عن شريحة واسعة من المواطنين، في بلد تمتد سواحله على أكثر من 1300 كيلومتر، وتحتضن مياهه الإقليمية ثروة سمكية تُقدَّر بعشرات الآلاف من الأطنان سنوياً؟ هذا التناقض لا يُفسَّر بشحّ الطبيعة، بل بفداحة سوء الحوكمة وضراوة النهب، من الداخل والخارج معاً.
تونس ليست دولة فقيرة بحرياً. هي دولة أُفقِرت من بحرها.
أولاً: ثروة بحرية حقيقية تُقاس بأرقام لا بأوهام
قبل تشريح جراحات القطاع، لا بد من تثبيت حجم ما يُنهَب. تبلغ الطاقة الإنتاجية السنوية لقطاع الصيد البحري في تونس نحو 147 ألف طن، غير أن الإنتاج الفعلي لا يتجاوز 138 ألف طن وفق أرقام 2024، وهو رقم يخفي تذبذباً واضحاً وتراجعاً ملموساً في أنشطة الصيد الساحلي التقليدي الذي يعتمد عليه صغار البحارة (1).
والأشد دلالة مما تقوله الأرقام هو ما يرويه أصحاب الشبك أنفسهم؛ إذ يؤكد رئيس الاتحاد الجهوي للفلاحة والصيد البحري بالمهدية أن الإنتاج السمكي تراجع بأكثر من 70% مقارنة بالسنوات الماضية، وأن عدداً من البحارة لم يعودوا قادرين حتى على تغطية تكاليف الإبحار (1).
أما في باطن هذا البحر، فتمتد ثروة أعمق وأبعد أثراً. أفادت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية بوجود حوضين كبيرين للنفط والغاز يمتدان على مساحات واسعة بين ليبيا وتونس، مع احتياطيات ضخمة من النفط والغاز الطبيعي ومكثفات الغاز (2). فضلاً عن ذلك، تزخر السواحل الشمالية الغربية لتونس، لا سيما طبرقة، بالشعاب المرجانية الحمراء التي تُعدّ من الأهم في حوض المتوسط، ويحظى المرجان التونسي بسمعة عالمية بفضل لونه الأحمر القاني وجودته العالية، ما يجعله مطلوباً في أسواق المجوهرات والتحف الفاخرة أوروبياً وآسيوياً وعربياً (3).
هذا هو الوجه الأول للحقيقة: ثروة موجودة، قابلة للقياس، مرئية. والوجه الثاني: هي مصادرة، مهدورة، أو منهوبة.
ثانياً: الاحتكار الداخلي — العدو الذي يسكن داخل الأسوار
السمكة التي يصطادها البحّار في الفجر لا تصل إلى مائدة المواطن إلا بعد أن تمر عبر شبكة وسطاء ومحتكرين تمتص القيمة وتُضاعف السعر. فقد تجاوز سعر السردين 10 دنانير للكيلوغرام في عدة مناسبات، بعد أن كان في حدود 3 إلى 5 دنانير، فيما بلغت أسعار أنواع كالدوراد والقاروص مستويات تتراوح بين 30 و50 ديناراً للكيلوغرام (1). ويرى المهنيون أن هذا الارتفاع يعكس اختلالاً واضحاً بين العرض والطلب، لكنه يعكس كذلك فشلاً مقصوداً في تنظيم السوق.
بيد أن الاحتكار ليس وحيد المصدر. ثمة منظومة فساد أعمق تتمثل في الصيد الجائر الداخلي نفسه؛ إذ يُسجَّل استعمال شباك غير مطابقة للمواصفات القانونية، ذات عيون ضيقة، تؤدي إلى صيد الأسماك الصغيرة قبل بلوغها الحجم التجاري، مما يهدد استدامة الثروة البحرية على المديين المتوسط والبعيد (1). ويُضاف إلى ذلك عدم احترام فترات “الراحة البيولوجية” المخصصة لتجديد المخزون السمكي، خاصة بالنسبة لأنواع حساسة كالأخطبوط وبعض الأسماك الساحلية.
ويحذر مختصون من أن هذه الممارسات تُسرّع من وتيرة استنزاف المخزون في وقت يعمل فيه في القطاع نحو 45 ألف شخص، أكثر من 60% منهم في الصيد التقليدي (1). والأنكى أن الدولة ذاتها تقدّم الذريعة للمحتكرين، إذ يعاني القطاع من تقادم الأسطول واهتراء البنية التحتية وبيروقراطية مفرطة تُعقّد عمل المنتجين (1). فحين يُترك صغار البحارة بلا موانئ ولا أسطول متجدد ولا دعم لوجستي، يُضطرون إلى بيع إنتاجهم بأثمان بخسة لفائدة وسطاء يمتلكون رأس المال والتخزين والنقل، فيكون الاحتكار نتيجة طبيعية لغياب السياسة العامة لا لقانون السوق.
ثالثاً: النهب الخارجي — السفن الأوروبية في مياهنا
لا يقتصر النزيف على الداخل. ترسّخ الاتفاقيات الأوروبية المتتالية مع دول الجنوب نمطاً عالمياً غير عادل، تُستنزف بموجبه ثروات الجنوب البحرية لتغذية حاجات الشمال الاستهلاكية، في وقت يعاني فيه المواطنون المحليون من غلاء السمك ونقصه (4). وإذا كان المغرب قد خاض مفاوضات شاقة مع الاتحاد الأوروبي وصلت إلى حدود إلغاء الاتفاقية دفاعاً عن سيادته البحرية، فإن تونس لم تبلغ بعد هذا المستوى من الوعي السيادي في التفاوض.
ومن أبرز تجليات هذا النهب ما يُسجَّل في خليج قابس تحديداً، الذي يُعدّ من أخصب المناطق السمكية في المتوسط بأسره. وقد اعتبر رئيس الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري أن تهديدات الاتحاد الأوروبي بمنع استيراد المنتوجات البحرية التونسية بسبب تواصل الصيد العشوائي تشكّل خطراً يداهم منظومة الصيد البحري ككل (5). هذا الخطر يكشف عن ورطة بنيوية: تونس تُصدّر ثروتها السمكية إلى أوروبا بأسعار مجحفة لكسب العملة الصعبة، بينما يعجز مواطنوها عن اقتنائها في أسواقهم الداخلية.
والمفارقة الجارحة أن الاتحاد الأوروبي يُهدّد بعقوبات تجارية في وجه الصيد العشوائي التونسي، بينما تواصل سفنه المتطورة جنيَ ما تطاله شباكها في المياه المتوسطية المشتركة، بذريعة اتفاقيات “الشراكة” الواجب إعادة النظر فيها من أساسها.
رابعاً: النفط والغاز البحري — كنز يُوزَّع بلا حساب
إذا كانت المأساة السمكية مرئية يومياً، فإن مأساة الثروات الباطنية تجري في الخفاء. فقد كُشف عن قائمة تضم أكثر من 25 شركة أجنبية وتونسية مُرخَّصة للاستكشاف النفطي والتنقيب، من بينها شركات إيطالية وبريطانية وسويدية وأسترالية وكندية ونرويجية وهولندية وفرنسية وغيرها (6).
وتتّسم العلاقة مع هذه الشركات بالهشاشة السيادية المزمنة؛ إذ لم تستقطب تونس منذ نحو 15 عاماً أي شركة كبيرة الحجم متخصصة في الاستكشاف، وتتشكل خريطة الآبار من 1100 بئر، أكثر من 80% منها غير منتجة، ولا تتخطى نسبة النجاح 10% (2). وهذا يعني أن عقود الامتياز تُمنح بسخاء لشركات أجنبية في حين تبقى الثروة في معظمها حبيسة الباطن أو خارجة عبر منافذ لا تعكس عائداً عادلاً للشعب.
والمفارقة أن تونس بدأت استخراج النفط والغاز الطبيعي منذ 1966 بمساعدة شركات أجنبية (7)، وستون عاماً مضت دون أن تبني كفاءة وطنية حقيقية تُمكّنها من التفاوض من موقع ندّيّ. والدليل على العطش الشعبي لهذه العدالة الثروية أن احتجاجات اندلعت في منطقة الفوار بمحافظة قبلي تعبيراً عن السخط من إعلان اكتشاف بئر نفطية في تلك المنطقة وتخصيص عائداتها لمنطقة أخرى، وسط ارتفاع البطالة والفقر بالجنوب رغم احتوائه على مخزون كبير من الثروات (8).
خامساً: المياه المحلاّة — الحل الذي تأخّر جيلاً كاملاً
من أبشع مظاهر هدر الموارد البحرية أن تونس تعاني من أزمة مياه مزمنة وهي مطلّة على البحر بأكثر من ألف وثلاثمائة كيلومتر من الشريط الساحلي. فقد استكشفت تونس سُبُل تحلية المياه منذ 1983، لكن المشاريع ظلت موجهة كلياً لمعالجة المياه الجوفية لا مياه البحر، وأُجِّلت لعقود بسبب تشابك المصالح والفساد (9). ولعل أفضح مثال على ذلك أن مشروع أول محطة لتحلية مياه البحر في جربة كان مُقرراً بالشراكة مع مجمع تونسي مملوك لصهر الرئيس بن علي ومجموعة إسبانية، وكان مُزمَعاً التوقيع عليه في يناير 2011 قبل أن تسبقه الثورة (9).
وتُشكّل الطاقة حوالي 40% من تكلفة إنتاج متر مكعب واحد من المياه المحلاة في تونس (10)، وهو ما يجعل الدولة في حاجة إلى الجمع بين الطاقة الشمسية وتحلية المياه في منظومة متكاملة — خيار يبقى ممكناً لو توفّرت الإرادة السياسية والسيادة على القرار الاستراتيجي. غير أن المسار انحرف مرة أخرى حين قفز خيار “الهيدروجين الأخضر” بدفع أوروبي واضح إلى رأس قائمة الأولويات الطاقية، ليُحوَّل ماء البحر — مرة أخرى — إلى خدمة أوروبية قبل أن يكون خدمة للمواطن التونسي (9).
نحو المقارنة: ماذا تفعل الدول التي تحترم بحرها؟
لا يحتاج المرء إلى البحث بعيداً. المغرب خاض مفاوضات شاقة مع الاتحاد الأوروبي وأوقف التمديد في اتفاقيات الصيد حين رأى فيها إخلالاً بسيادته البحرية. موريتانيا ضمنت لصيّاديها احتكار أصناف محددة ولم تمنح أوروبا إلا ما تجاوز الحاجة الداخلية (11). النرويج تُقيّد الصيد الأجنبي في مياهها بيد من حديد وتبني كفاءتها التقنية ذاتياً. أما الصين وكوريا الجنوبية فقد حوّلتا تربية الأسماك إلى صناعة قائمة بذاتها تُكمل الصيد الطبيعي وتستوعب ملايين العمال.
القاسم المشترك في هذه التجارب: الإرادة السيادية، وسياسة وطنية واضحة، وإدارة تحمي المواطن أولاً. كل ذلك غائب في تونس، لا لأن الأرض لم تُعطِ، بل لأن الحكم لم يُبنَ على الخدمة.
خاتمة: البحر لا يكذب
البحر التونسي لم يُخن مواطنيه. الذين خانوه هم من استلموا مفاتيح إدارته: صانعو القرار الذين أسبغوا رخص التنقيب على الأجانب دون حساب ولا شفافية، والوسطاء الذين يُحوّلون نِعمة البحر إلى أداة احتكار، والسياسيون الذين أجّلوا تحلية المياه جيلاً كاملاً لأن المشاريع كانت ريعاً خاصاً لا خدمة عامة، والمفاوضون الذين مضوا إلى أوروبا دون أن يحملوا من القاموس السيادي ما يعادل شبكة صيد واحدة.
مكمن الأزمة ليس في البحر. مكمنها في من يُحكم قبضته على الشاطئ.
المراجع
(1) الجزيرة نت، “بين شح البحر وأزمات البحارة.. لماذا ترتفع أسعار الأسماك في تونس؟”، أبريل 2026.
(2) موقع الطاقة، “تونس تحسم الجدل حول اكتشاف احتياطيات ضخمة للنفط والغاز قبالة سواحل البلاد”، مارس 2023.
(3) وكالة الأنباء السعودية (واس)، “المرجان في تونس.. ثروة بحرية نادرة تسعى السلطات لحمايتها”، سبتمبر 2025.
(4) موقع الأيام 24، “اتفاقيات الصيد مع أوروبا.. نظام نهب وتكريس للتبعية”، يوليو 2025.
(5) أفريكان مانجر، تصريح رئيس الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري حول تهديدات الاتحاد الأوروبي، 2024.
(6) موقع الجمهورية / المصدر تونس، “قائمة الشركات التونسية والأجنبية المرخص لها لاستكشاف البترول والتنقيب عنه”، مايو 2015.
(7) وزارة الطاقة والمناجم التونسية، “الاستكشاف والبحث وإنتاج المحروقات”، الموقع الرسمي.
(8) الجزيرة نت، “أين البترول؟.. فقراء تونس يتساءلون عن ثرواتهم”، مايو 2015.
(9) Legal Agenda، “تحلية مياه البحر في تونس: خيار مرّ أم هروب إلى الأمام؟”، يوليو 2025.
(10) Swiss Info، “تحلية مياه البحر ومعالجة الصرف الصحي.. الحل الوحيد لدول المغرب العربي”، فبراير 2024.
(11) الجزيرة نت، “اتفاق موريتاني أوروبي في مجال الصيد البحري”، يوليو 2015.

