الوضع المتوتر الحاصل بين إيران والولايات المتحدة والمستند على وقف إطلاق نار هش، يخفي ورائه الکثير من الامور والقضايا الحساسة والمثيرة التي تتجاوز حدود تأثيراتها وتداعياتها المنطقة وتبعث على قلق ومخاوف ليس من السهل إخفائها أو تجاهلها.
لکن، من الواضح جدا إن المعضلة والعقدة الاساسية تتعلق بنظام الحکم القائم في إيران والذي لايبدو إنه يتصرف وفق معايير وحسابات العقل والمنطق والملفت للنظر إن تصرفه هذا هو ذاته على مختلف الاصعدة، إذ من الواضح جدا کونه الطرف الاکثر خسارة وتضررا من الناحية العسکرية وحتى إنه لو کان أي بلد آخر في مکانه لأعلن هزيمته ليتجنب المزيد من الخسائر والخراب والدمار.
وداخليا ووفق المعايير والحسابات التي ذکرناها، فإنه لو واجه أي نظام سياسي اعتيادي ما واجهه من إنتفاضات شعبية عارمة وتحرکات إحتجاجية مختلفة، لکان الان أثرا بعد عين، لکن المثير للسخرية إنه يضع الرفض الشعبي في خانة التآمر وکل من يشارك به بالتخوين، وحتى إنه قد تمادى من حيث تعامله الفج هذا أکثر من اللازم في ظروف الحرب الحالية حيث وسع من دائرة الاعتقالات التعسفية المبنية على الظن والفرضيات أکثر من اللازم وکذلك بالنسبة لتصعيد تنفيذ أحکام الاعدامات.
ولا نقصد بتماديه ما يتعلق بالرافضين والمتصدين له من خارج نطاق النظام بل وحتى من داخل النظام ذاته، خصوصا عندما تبادر النيابة العامة في طهران عن توجيه اتهامات رسمية ضد شخصيات تابعة للنظام مثل عباس عبدي وصادق زيبا كلام، أحدث مثال صارخ على هذا الصدع العميق الذي يضرب صميم بنية السلطة، ولاسيما إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار والاهمية إن کل من عبدي وزيبا کلام، سعيا دائما الى تجميل وجه النظام وتسويقه داخليا وخارجيا وهو ما يعتبر تطورا غير عاديا يأتي في وقت تحاصر فيه الأزمات الاقتصادية، والاضطرابات الاجتماعية، والعزلة الدولية، أروقة السلطة، وباتت حرب تقاسم النفوذ بين أجنحة النظام تخاض اليوم بشكل أكثر وضوحا وشراسة من أي وقت مضى.
ومن المفيد التنويه بأن وكالة ميزان للأنباء، التابعة للسلطة القضائية، کانت قد أعلنت عن توجيه لوائح اتهام ضد هدين الوجهين البارزين بسبب مقال نشره عباس عبدي في صحيفة اعتماد، ومقابلة أجراها صادق زيبا كلام مع وكالة آنا للأنباء. ولم يقتصر هذا الإجراء القمعي على الأفراد فحسب، بل فتحت النيابة العامة أيضا ملفات قضائية ضد وسائل الإعلام التي نشرت هذه التصريحات. ويؤكد هذا التصعيد غير المسبوق أن حرب العصابات الحاكمة قد تجاوزت مرحلة الخلافات السرية لتطفو على السطح، محولة وسائل الإعلام ومؤسسات الدولة إلى ساحات لتصفية الحسابات.
ومن الواضح جدا بأن مظاهر الانتقاد والتأکيد على الاخطاء التي إرتکبها ويرتکبها النظام من داخله، يجسد في الحقيقة حالة القلق والخوف والترقب من الحالة والواضع الحالي للشعب الايراني والتي أشبه ما تکون بإستراحة محارب ذلك إن ما جرى ويجري له ولبلاده قد تجاوز کل الحدود في ظل سلطة تجازف وتغامر بکل شئ من أجل بقائها، والحقيقة إن الوضع الحالي للشعب الايراني وموقفه من النظام ليس يشبه ما جرى في عام 1978، الذي سبق الثورة، بل إنه أشد وطأة منه والأيام القادمة ستثبت ذلك.

