فوضى توزيع القوة عبر الصراع الدائر في المنطقة- سمير عادل

 

أيُّ الخيارين أكثرُ جدوىً استراتيجيًا للصين وروسيا: المضيُّ في كسر هيبة الولايات المتحدة عبر الاصطفاف الضمني خلف عناد الجمهورية الإسلامية، مهما بلغت كلفة ذلك على مصالحهما مع دول الخليج وإسرائيل، وما يترتب عليه من خسائر في مضيق هرمز؟ أم تبنّي مقاربةٍ براغماتيةٍ تقوم على حماية مصالحهما الحيوية في المنطقة؟

وبموازاة ذلك، تحاول أوروبا إنقاذ ما يمكن إنقاذه من مكانتها المتهاوية، سواء عبر لجم نزيفها الاقتصادي بسبب الحرب الأوكرانية وإغلاق مضيق هرمز، أو التكيّف مع مرحلة نتائج “الطلاق” الأمريكي عنها، والسعي لتشكيل قوة عسكرية مستقلة قادرة على التدخل لفتح مضيق هرمز، وهو ما يتجاوز في جوهره قضية المضيق وتداعياتها المباشرة.

بناءً على ذلك، يمكن النظر إلى الصراع القائم بين الولايات المتحدة وإيران بوصفه حربًا عالمية بالمعنى المجازي المعاصر، لما له من تأثير حاسم في إعادة تشكيل المعادلات السياسية والتوازنات الدولية، وتحديد موقع الأقطاب في النظام العالمي.

في ظل التحولات السياسية الكبرى في العالم، تشهد التحالفات القديمة، مثل الحلف الأوروبي–الأمريكي، وكل العالم القديم الذي أُقيم على أنقاض الحرب العالمية الثانية، بدأ يتفكك، ويشهد تغييرات جوهرية على الصعد الفكرية والسياسية والاقتصادية بين أقطابه الإمبريالية التقليدية التي أسست للنظام الذي يتهاوى اليوم. وحتى مجموعة بريكس، هي الأخرى، وهي التكتلات الحديثة – التي أُنشئت على أساس تقوية فرصها وحظوظها بالمنافسة الاقتصادية والجيوسياسية-، انقسامات واضحة بين أقطابها وأعضائها وبدأت الصراعات تنشب في صفوفها؛ فالحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران أحدثت تصدعات داخلها. إن التلاسن بين وزير الخارجية الإماراتي ونظيره الإيراني في الاجتماع الأخير لوزراء خارجية المجموعة، وأكثر من ذلك، فإن الاتفاقيات التي أُبرمت بين الإمارات والهند، بما فيها العسكرية، على غرار الأقرب الى التحالف الاستراتيجي بين السعودية وباكستان، تشير إلى احتدام الصراع السياسي بين أعضاء بريكس، التي طالما عوّلت عليها روسيا بالدرجة الأولى، ثم الصين، ليكون الدرع الذي يتصدى للمواجهات الاقتصادية مع أمريكا وأوروبا.

ليس بشيء جديد ما نقوله بأن الولايات المتحدة الأمريكية، التي بدأت مكانتها بالتآكل، تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر الحروب والعسكرة، رغم ادعاءات إدارتها، التي رفع رئيسها دونالد ترامب شعار إنهاء الحروب في العالم. وتسعى الولايات المتحدة، عبر هذه السياسة الجديدة، إلى احتواء منافسيها من خلال إعادة تشكيل الواقع الجيوسياسي، بما يكرّس سيطرتها على المضائق الحيوية وتحكمها في إمدادات الطاق، كما حدث في فنزويلا وما يحدث اليوم في إيران. وعلى الرغم من اعتبار أن استراتيجية البيت الأبيض والبنتاغون التي صيغت قبل الحرب على إيران، هي أن الصين تشكل خصم للولايات المتحدة الامريكية، الان ان الوقائع تبين هناك أقطاب اقتصادية أخرى آخذة في الصعود، وبغض النظر عن حجم ناتجها القومي مقارنة بالولايات المتحدة، حيث باتت الهند تحتل المرتبة الرابعة عالميًا بعد أن أزاحت اليابان، إلى جانب قوى صاعدة أخرى مثل باكستان وتركيا والبرازيل والمكسيك وجنوب أفريقيا الذين يشكلون الثلاثة الأخيرة الركيزة الأساسية لمجموعة بريكس، التي وضعت في أجندتها إصدار عملة موحدة تزيح او تنافس الدولار الأمريكي، والتبادل التجاري بعملاتها المحلية وإنشاء صندوق للاستثمار والدعم والقروض على غرار صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

يمكن الجزم، بأنّ ما أقدمت عليه الولايات المتحدة في كلٍّ من فنزويلا وحربها على إيران لم يكن سوى تعبيرٍ مكثّف عن نزعتها الإمبريالية لإعادة تشكيل موازين القوى العالمية. فلم تكن تلك السياسات مجرّد تدخلاتٍ معزولة، بل جاءت كجزءٍ من استراتيجيةٍ أشمل مهّدت لفتح طورٍ جديد من العلاقات بين واشنطن وباقي الدول الاخرى، قوامه إعادة توزيع النفوذ ضمن شروط الهيمنة الامريكية. أي بعبارة أخرى، وعبر التحليل السياسي، إن ما أقدمت عليه الولايات المتحدة في فنزويلا وما أقدمت عليه في إيران بالرغم لم تحصد الى الان نتائج سياسية واضحة، قد أفضى ومهّد لمرحلة جديدة في العلاقات بين واشنطن وبكين، تمثّلت في إبرام اتفاقات وُصفت بـ(التاريخية) خلال زيارة ترامب الأخيرة قبل أيام إلى الصين، حيث فتحت أبواب الصين على مصراعيها لغزو الشركات الامريكية. صحيح أن الصين حصلت على اعتراف الولايات المتحدة بها كقطبٍ ندٍّ ومنافس، وحصلت أيضا على مكاسب اقتصادية، غير أن كلفة هذا الاعتراف جاءت باهظة، إذ أخفقت في انتزاع أي التزام من الولايات المتحدة يقضي بوقف تسليح تايوان أو الكف عن تحريضها على الاستقلال، كما امتنعت الإدارة الأمريكية عن تقديم أي تعهد برفع العقوبات المفروضة على الشركات والبنوك الصينية، أو إلغاء الرسوم الجمركية التي فُرضت عليها.

إلا أن الشيء الجديد نود الإشارة إليها بأن العلامة الفارقة في المشهد السياسي العالمي، الذي تتصدره الولايات المتحدة، هي إن الجميع يقف مترقبًا لنتائج خطواتها؛ فالجميع خاسر من حربها ومن إغلاق مضيق هرمز، سواء كان ذلك إيرانيًا أم أمريكيًا، ومع ذلك لا يستطيع أي طرف التحرك سياسيًا أو دبلوماسيًا أو اقتصاديًا أو عسكريًا. وهذا بحد ذاته يبيّن أن الأقطاب المتنافسة، التي تحاول إيجاد موطئ قدم في المعادلات الجديدة التي ترسمها نتائج الصراع والسياسة العسكرية الأمريكية، تدرك أن الولايات المتحدة ما تزال تمسك بزمام المبادرة، وقادرة على قلب الطاولة على منافسيها، بغض النظر عن نجاح سياساتها من عدمه.

وعلى الصعيد الفكري والأيديولوجي، انتهت إلى حد كبير مرحلة التشدق بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وتراجعت هذه الشعارات إلى الخلف، لصالح معيار آخر هو: ما الذي ستحققه السياسات من معدلات نمو للأنظمة والحكومات والشركات والبنوك. واماطت اللثام مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 ، أي عقب العملية التي نفذتها حركة حماس في غلاف غزة، أن جميع الادعاءات والدعايات حول حرية الرأي والتعبير في العالم الديمقراطي الغربي كانت زائفة ومضلِّلة؛ إذ تعرّضت الاحتجاجات الجماهيرية المنددة بجرائم دولة إسرائيل إلى القمع، وزُجّ بعشرات الفاعلين والنشطاء السلميين في المعتقلات والسجون، كما جرى حجب التعليقات والآراء على مواقع التواصل الاجتماعي والفضاء الرقمي التي فضحت الرواية الإسرائيلية وأدانت بربريتها في غزة.

وفي خضم هذه التحولات، وفي ظل حالة اللاحرب واللاسلم التي تعيشها المنطقة، ومع عدم حسم الانتصار السياسي لصالح الولايات المتحدة الأمريكية أو إيران، فأن التصورات التي تروّج لفكرة أن النظام الإيراني «مجنون» أو يفتقر إلى الدراية السياسية، فهي لا تفسر الواقع. وعلى العكس من ذلك، يبدو نظام الجمهورية الإسلامية أكثر وعيًا بمصالحه وموقعه. وتكشف سياسة التحدي الإيرانية، بما في ذلك إغلاق مضيق هرمز، عن محاولة لتوجيه ضربات استباقية لسياسات غير معلنة داخل أجنحة من الطبقة الحاكمة الأمريكية، تلتقي مع إسرائيل وبعض دول المنطقة في هدف إسقاط النظام سياسيًا. ويدرك النظام الجمهورية الاسلامية في إيران أن أي تنازل قد يعني سقوطه. ولذلك، فإن ما تجرّعه الخميني من سم عندما وافق على إنهاء الحرب مع العراق، لا يمكن تكراره اليوم؛ فـي تناول نفس «السم» الذي تجرّعه آنذاك كان بهدف الحفاظ على النظام، أما «السم» الذي يتجرّعه اليوم مجتبى خامنئي، فهو الاستمرار في حالة اللاحرب واللاسلم في أفضل الأحوال أو المضي في حرب يسميها النظام في ايران بأنه الحرب الأخيرة او حرب الصمود حسب السردية التي يطلق عليها، لأن إنهائها او القبول للشروط الامريكية، يفتح الباب أمام إسقاط النظام نفسه.

ولا شك أن المتضرر الأول من هذه الأوضاع هو المستوى المعيشي للطبقة العاملة والكادحين، إلى جانب ما يرافقها من حالة تهديد وترقّب وخوف من الحرب وأجوائها، فضلًا عن التغطية على ممارسات إسرائيل في غزة والضفة الغربية ولبنان، وتماديها في جرائمها وعنصريتها، وما يجري من مآسٍ في السودان. وفي خضم هذه الظروف، تتراجع الحركات المطالبة بالحرية والمساواة والرفاه، التي لا تمتلك سوى الطبقة العاملة سندًا لها، حيث باتت هذه الطبقة تتموضع في موقع الدفاع عن قوتها ومعيشتها، بدلًا من التقدم إلى الأمام، كما حدث في فترات سابقة، ومنها خلال الحملة البربرية الإسرائيلية على غزة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *