الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن- 1/3 – د. محمود عباس

تسعيرة القمح بين إرث النهب القديم وفلسفة الإفقار الجديدة.

حين تحدد الحكومة السورية الانتقالية سعر شراء طن القمح بنحو 46 ألف ليرة سورية جديدة، أي ما يقارب 340 دولارًا للطن وفق سعر الصرف المتداول في التغطيات الأخيرة، فهي لا تتخذ قرارًا زراعيًا عابرًا، بل تمسّ أحد أعمدة الاقتصاد السوري الأكثر هشاشة بعد الحرب، الفلاح، والريف، والأمن الغذائي. فالقمح في سوريا ليس سلعة عادية، بل مادة سيادية؛ ومن يتحكم بسعره لا يتحكم بالموسم فقط، بل بعلاقة الدولة بالخبز، وبعلاقة الريف بالسلطة، وبقدرة المجتمع على الوقوف أو الانكسار. وقد أثار القرار اعتراضات واحتجاجات بين الفلاحين في الرقة ودير الزور والحسكة، لأن السعر بدا، في نظرهم، أقل من كلفة الإنتاج الفعلية في ظل ارتفاع أسعار الوقود والسماد والبذار والري والنقل.

ولكيلا يبقى النقاش عاطفيًا، يجب وضع هذه التسعيرة في سياق الاقتصاد السوري كله؛ فهذا الاقتصاد لم ينهَر فجأة بعد الحرب، ولم تكن الحرب وحدها سبب الكارثة، بل جاءت لتكشف ما تراكم خلال قرابة نصف قرن من حكم حوّل الدولة إلى جهاز أمني واقتصادي مغلق، ثم إلى اقتصاد حرب ومافيا. يمكن قراءة هذا المسار منذ أوائل السبعينيات على ثلاث مراحل، مرحلة السيطرة وبناء واجهة الدولة التنموية، ثم مرحلة رسوخ النظام ونهب الموارد، ثم مرحلة ما بعد 2011 حين تفكك الاقتصاد الرسمي وظهرت مافيا الحرب والمخدرات والتهريب كبدائل عن الإنتاج.

في المرحلة الأولى، منذ ترسيخ سلطة حافظ الأسد في أوائل السبعينيات، حاول النظام أن يقدم نفسه كسلطة تحديث وإصلاح وبناء دولة قوية. كان هناك خطاب عن التصنيع، والزراعة، والسدود، والقطاع العام، ودور الدولة في التنمية. لكن هذه الواجهة كانت تخفي تأسيس اقتصاد تابع للمركز الأمني، حيث لم تكن الدولة تُبنى كمؤسسة وطنية محايدة، بل كجهاز ولاء، تتحكم فيه السلطة السياسية والأمنية بالموارد والفرص والقرار. كانت الزراعة والنفط في تلك المرحلة من أعمدة الاقتصاد السوري، وكان الريف، وخاصة الجزيرة وغربي كوردستان، في قلب معادلة الغذاء والطاقة.

ثم جاءت المرحلة الثانية مع رسوخ النظام، حين تحولت الدولة تدريجيًا إلى شبكة نهب منظم. تحت شعارات من نوع “النفط في أيدٍ أمينة فلا تسأل عنها”، جرى التعامل مع الموارد السيادية كأنها ملكية مغلقة للسلطة وأجهزتها، لا مال عام للشعب. قد يصعب توثيق نسبة دقيقة لما سُرق من دخل النفط دون وثائق داخلية، لكن المؤكد أن النفط كان موردًا مركزيًا قبل الحرب؛ فقد وصل إنتاج سوريا في بعض السنوات السابقة للحرب إلى أكثر من 450 ألف برميل يوميًا، وقد وردت في بعض المراكز الدولية إنها كانت تجاوزت 700 ألف برميل يوميا لكن لم يكن يتم الكشف عنه ولم تسجل في الإحصائيات السورية السنوية، قبل أن يتهاوى الإنتاج لاحقًا إلى نحو 30 ألف برميل يوميا، بفعل الحرب والعقوبات وفقدان السيطرة على الحقول، قبل أن تتمكن الإدارة الذاتية من أحياءها قليلا بعد طرد داعش من المنطقة. وفي الوقت نفسه، لم يُترك القطاع الزراعي ليتطور طبيعيًا، بل ضُرب بسياسات سياسية–ديمغرافية، من بينها مشاريع التهجير ومصادرة الأراضي والتغيير السكاني في المناطق الكوردية، وفي مقدمتها الجزيرة، وهي المنطقة التي جمعت بين كونها سلة غذاء سوريا ومنبعًا أساسيًا للنفط والغاز.

هنا لا يمكن فصل الاقتصاد عن السياسة القومية. فالمنطقة الكوردية في سوريا لم تكن هامشًا في اقتصاد الدولة، بل كانت في قلبه، الجزيرة وغربي كوردستان كانا مركزًا للقمح، والقطن، والنفط، والمياه، والثروة الحيوانية. فمحافظات الحسكة وشمال وشرق الرقة والمناطق الشمالية من محافظة حلب، وهي من المجال الزراعي الشمالي والشرقي المتصل بالوجود الكوردي، كانت تمثل نحو 73% من مساحة القمح ونحو 65% من إنتاجه، ومع إضافة المنطقة الشمالية من محافظة دير الزور ترتفع مساهمة هذا الحزام إلى نحو ثلاثة أرباع إنتاج القمح السوري. ومثلها من إنتاج القطن. أما النفط، فقد كانت حقوله الأساسية في الشرق والشمال الشرقي تؤمّن قبل الحرب ما يقارب ثلثي الإنتاج السوري أي قرابة 300 الف برميل يوميا. وفي عفرين وحدها، تقف ملايين أشجار الزيتون شاهدة على أن الجغرافيا الكوردية لم تكن عبئًا على سوريا، بل واحدة من خزائنها الزراعية والمعيشية. تقدّر تقارير حديثة أن عفرين تضم نحو 15 مليون شجرة زيتون، وأن مسؤولين زراعيين محليين يقدّرون أنها قد تنتج ما يصل إلى نصف زيت الزيتون السوري.

ومع ذلك، عوملت هذه المناطق كجغرافيا يجب ضبطها لا تنميتها، وكخزان موارد لا كشريك في الدولة. فمشروع الحزام العربي، ومصادرة الأراضي، والإحصاء الاستثنائي، والتعريب، وحرمان شرائح واسعة من الكورد من حقوقها، لم تكن إجراءات سياسية فقط، بل كانت أيضًا إعادة هندسة اقتصادية وجغرافية لمنطقة كانت تطعم سوريا وتزوّدها بالطاقة. لقد دمّر النظام السابق اقتصاد سوريا وخاصة اقتصاد غربي كوردستان، لأنه تعامل مع المنطقة الكوردية بعقلية أمنية وقومية انتقامية، لا بعقلية وطنية إنتاجية. وبذلك لم يظلم الكورد وحدهم، بل ضرب أحد أهم أعمدة الاقتصاد السوري نفسه.

السلطة البائدة، سلطة المقبور حافظ الأسد، ومن ثم ابنه المجرم بشار، لم تكن تخاف من فقر الأرض، بل من هويتها الكوردية؛ من الأرض التي كانت تنتج قمح سوريا ونفطها وزيتونها. لذلك لم تبنِ اقتصادًا وطنيًا، بل دمّرت الوطن كي لا يعترف بأصحابه.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

18/5/2026 م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *