. من صحن واحد إلى جدران التكفير – . سيروان سليم شرو

 

تتحرك شجون النفس عندما نلتفت إلى الوراء، ونقارن بين زمنين في بقعة جغرافية واحدة؛ زمن النقاء والتعايش العفوي، وزمن التوجس والقطيعة التي فرضتها مسميات ما أنزل الله بها من سلطان. في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، كانت منطقة بهدينان، وتحديداً تلك القرى التابعة لمحافظة دهوك في دشتا دووبانى ولحفا قايديا، ترسم لوحة إنسانية فريدة من نوعها. هناك، حيث كانت تتوزع عشرون( 20 ) قرية أيزيدية ومعها قرية مسيحية وادعة تُدعى باختمة، لم تكن الهويات الدينية حواجز تفصل بين القلوب، بل كانت الحياة تسير ببركة الطيبة والبساطة.
وعندما كان قطار التعليم يدفع بطلبة تلك القرى إلى مدينة دهوك لمواصلة دراستهم في المرحلتين المتوسطة والثانوية، كانت المدينة تفتح ذراعيها لهم دون أن تسألهم عن معتقداتهم. كان الطلبة، أيزيديون ومسيحيون، يتشاركون غرفاً صغيرة مستأجرة في بيوت العائلات الكردية المسلمة بمبالغ رمزية بسيطة تتراوح بين عشرة وعشرين ديناراً. في تلك البيوت، عاش الجميع تحت سقف واحد كعائلة واحدة، يأكلون من طبق واحد، ويتنفسون ذات الهموم والطموحات. لم يكن هناك وجود لمفردات الإقصاء أو التكفير، بل كانت الألفة هي السائدة. وحين كان الطلاب الأيزيدية يعودون إلى قراهم في عطلة نهاية الأسبوع، ويرجعون محملين بخيرات الريف من جبن ولبن وحليب، كان أهل المدينة من المسلمين يستقبلون هذه الهدايا بفرح ويأكلونها بشهية، دون أن يجرؤ أحد على قول إن هذه منتوجات لا تؤكل لأسباب دينية. وتجلت هذه الروح في بداية الثمانينات عندما افتتح شاب أيزيدي من قرية كبرتو يُدعى كلو قاسم خديدا مطعماً لبيع الدجاج المشوي قرب إعدادية كاوة في دهوك، فنجح المطعم نجاحاً باهراً وكان غصون زواره ورواده من المسلمين الذين وثقوا بأخلاق ابن منطقتهم قبل أي شيء آخر.
لكن دوام الحال من المحال، فبعد أحداث عام ( 2005) الفين وخمسة، وما رافقها من صراعات ومعارك مريرة، بين السنة والشيعة عصفت رياح مسمومة غيرت ملامح ذلك المجتمع المتسامح. ظهرت فجأة ثقافة غريبة لم يربَّ عليها الأجداد؛ ثقافة تصنف الناس وتوزع صكوك الغفران والاتهامات بالعلانية، فأصبح السني والشيعي والأيزيدي والمسيحي، الكل ينظر إلى الآخر بريبة، وارتفعت أصوات التكفير والتخوين باسم الدين، حتى وصل الأمر إلى قطيعة اجتماعية جعلت البعض يتحفظ على طعام الآخر ويستنكف مشاركته العيش.
وعند البحث في أسباب هذا التحول الحاد والفرق الكبير بين الماضي والحاضر، نجد أن التغيير لم يكن نابعاً من الفطرة الحقيقية للناس، بل كان نتاج عامل رئيسي هو صعود الأحزاب الإسلامية والحركات السياسية التي اتخذت من الدين غطاءً ومكسباً لها. هذه الحركات وظفت العاطفة الدينية لدى البسطاء وشحنت النفوس بالكراهية والتفرقة من أجل تحقيق مكاسب سلطوية ومصالح ضيقة، محولةً الدين من رسالة سلام ورحمة إلى أداة لفرز المجتمع وإضعافه.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن عزل ما حدث عن دور جهات وقوى إقليمية وعالمية عملت خلف الكواليس. إن تفتيت النسيج الاجتماعي العراقي، وزرع الأفكار التكفيرية، وتحويل المجتمع إلى جزر معزولة تتناحر فيما بينها، يخدم بوضوح أجندات خارجية تسعى لإبقاء المنطقة في حالة ضعف وصراع دائم، مما يسهل السيطرة على مقدراتها. لقد تم استغلال الجهل وغياب الوعي لغرس هذه السموم، ليصبح الجار يعادي جاره الذي عاش معه عقوداً من الزمن في أمان. إن العودة إلى تلك الأيام الجميلة تتطلب وعياً مجتمعياً حقيقياً يدرك أن الطيبة والتعايش هما الأصل، وأن التكفير والكراهية هما الدخيل على تاريخ بهدينان والعراق بأسره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *