برلمان الصورة لا برلمان الشعب – محمد ديب أحمد

 

ليست المشكلة في أن تُجرى انتخابات في سوريا ، بل في الطريقة التي يُراد للسوريين أن يصدقوا معها أن شيئاً قد تغيّر فعلاً .
فالمشهد الذي رافق انتخابات ما يسمى بمجلس الشعب بدا أقرب إلى إعادة إخراج قديم لنص سياسي مستهلك ، مع بعض التعديلات في الديكور واللغة والوجوه ، بينما بقيت البنية العميقة للسلطة على حالها :
 عقلية الاحتكار ذاتها ،
 والخوف ذاته من الشراكة ،
 والرغبة ذاتها في إنتاج مجلس يصفق أكثر مما يراقب أو يحاسب .
في بلد أنهكته الحرب والانقسامات والفقر والخراب ، كان السوريون ينتظرون خطوة تُشعرهم أن الدولة بدأت أخيراً تفهم معنى التمثيل الحقيقي ، لا مجرد صناعة واجهة سياسية جديدة .
 لكن ما جرى أعاد إلى الأذهان تلك العلاقة القديمة بين السلطة والمؤسسات ، حيث تتحول المجالس المنتخبة إلى ديكور دستوري أكثر منها تعبيراً حقيقياً عن إرادة الناس .
وحين يشرّع الرئيس المؤقت لنفسه حق تعيين ثلث المجلس بصورة مباشرة ، يصبح السؤال مشروعاً :
 أي تمثيل هذا الذي يبدأ بالتعيين قبل الانتخاب ؟
ثم ماذا عن الثلثين الآخرين الذين سيصل كثير منهم عبر النوافذ أو قنوات محسوبة سلفاً ، لا عبر منافسة سياسية حقيقية تعبّر عن الشارع السوري المرهق والمخذول ؟
 عندها لا يعود الحديث عن مجلس يمثل الشعب ، بقدر ما يصبح حديثاً عن مجلس جرى تصميمه بعناية كي لا يزعج السلطة بل يعزف على وترها ، ولا يقترب من الخطوط المرسومة له مسبقاً .
الأشد مرارة أن هذه الممارسات تأتي في لحظة كان السوريون يحلمون فيها بالخروج من إرث طويل من الدولة الأمنية والحزب الواحد والولاء الإجباري .
فإذا بهم يكتشفون أن المشكلة لم تكن يوماً في شكل الشعار أو طبيعة اللباس السياسي ،
بل في العقل الذي يدير السلطة نفسها .
فربطة العنق لم تكن ضمانة للديمقراطية ،
كما أن اللحية الطويلة ليست مشروع عدالة بالضرورة .
وما دام منطق السيطرة قائماً ،
 فإن تبديل الشعارات لا يغيّر حقيقة المشهد ، بل يمنحه فقط طلاءً جديداً .
لقد أتقنت السلطات السورية المتعاقبة فناً قديماً يقوم على إعادة تدوير الخطاب نفسه بأسماء مختلفة .
بالأمس كانت الشعارات قومية وثورية ،
واليوم تُقدَّم بلغة انتقالية أو دينية أو وطنية جامعة ، لكن النتيجة تكاد تكون واحدة :
 مركز يحتكر القرار ،
ومؤسسات وظيفتها الأساسية منح الشرعية لا ممارسة الرقابة ،
 ونخب سياسية تعرف جيداً متى تصفق ، ومتى تبتسم للكاميرات ،
ومتى تلوذ بالصمت .
وسيجلس كثيرون تحت قبة المجلس لالتقاط الصور لا لصناعة المواقف ، ولترديد العبارات المنمقة ، لعل بعضهم ينجح في قول جملة مفيدة دون أخطاء في اللغة أو المعنى .
وربما سيتحدث أحدهم عن الوطن والسيادة والمرحلة الحساسة ، بينما يبقى المواطن السوري ـ الذي طحنته الحرب والجوع والهجرة والانتظار ـ خارج الحسابات الحقيقية تماماً .
فالسوري الذي كان يحلم بدولة قانون يجد نفسه مرة أخرى أمام سلطة تتحدث كثيراً عن الشعب ، لكنها تخشى سماع صوته الحقيقي .
أما مناطق شمال وشرق سوريا ، وروج آفا المكلومة بكل خصوصيتها السياسية والاجتماعية وتجربتها المختلفة وتضحياتها ، فما تزال تُقارب بعقلية الشك لا بعقلية الشراكة .
ورغم كل الحديث عن التفاهمات والاندماج والوحدة الوطنية ،
فإن الممارسة العملية تكشف أن الاعتراف الفعلي بالتعدد السوري ما يزال مؤجلاً ، وربما غير مرغوب به أصلاً لدى ذهنية ترى في أي شراكة حقيقية تهديداً مباشراً لاحتكارها التاريخي للسلطة .
والمفارقة المؤلمة أن هذه البلاد ليست بقعة هامشية بلا ذاكرة .
 نحن نتحدث عن أرض قيل إن أول أبجدية خرجت منها ، وعن شعب حمل علمه وثقافته إلى أصقاع العالم ، وعن السوريين الذين ساهموا في الطب والهندسة والفكر والتجارة والفنون في عشرات الدول .
لكن المأساة أن بلداً بهذا العمق الحضاري ما يزال عاجزاً عن إنتاج عقد سياسي يشعر فيه المواطن أنه شريك لا تابع ،
 وأن صوته قيمة لا مجرد رقم في مسرحية انتخابية قديمة و متكررة .
يا لها من مفارقة موجعة ؛
أن بلداً علّم العالم معنى الحضارة ما يزال يتعثر في أبسط مفاهيم الدولة الحديثة .
وكأن السوريين ، بعد صيام طويل من الانتظار والألم ، لم يُقدَّم لهم سوى وجبة أخرى من الوعود الباردة والخطابات المعلبة والوجوه التي تتغير كي يبقى كل شيء على حاله .
إن أخطر ما تواجهه سوريا اليوم ليس فقط استمرار الأزمة ،
بل استمرار العقلية التي تنتجها .
 فالدول لا تُبنى بالمراوغة السياسية ،
ولا بالمجالس المصممة سلفاً ،
ولا بإعادة تدوير الطاعة تحت أسماء جديدة .
وحدها الشراكة الحقيقية ، والاعتراف المتبادل ،
 واحترام إرادة الناس ، يمكن أن تنقل سوريا من دولة الخوف إلى دولة القانون والحقوق والمواطنة .
وحتى يحدث ذلك ، سيبقى كثير من السوريين ينظرون إلى هذه الانتخابات كما ينظر المتعب إلى مرآة قديمة :
يرى الوجوه تتبدل ،
لكنه يعرف أن الروح ذاتها ما تزال تسكن المكان .
المشكلة في سوريا لم تعد فقط فيمن يجلس على الكرسي ، بل في العقل الذي ما يزال يعتقد أن الوطن كله مجرد كرسي .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *