في السياسة أيضاً : الفرائض أولى من السنن – محمد ديب أحمد

الكرد بين أولويات البقاء وثرثرة المقاعد المؤقتة
في الشرق الأوسط ، لا تُقاس السياسة بعدد المقاعد ولا بعدد الابتسامات أمام الكاميرات ، بل بعدد المرات التي تنجو فيها الشعوب من الذبح السياسي والجغرافي .
هنا ، لا تملك الجماعات الصغيرة رفاهية ارتكاب الأخطاء الساذجة ، لأن الخطأ لا يؤدي إلى خسارة انتخابات فقط ، بل قد يؤدي أحياناً إلى خسارة البيت واللغة والاسم وحتى القبر .
ولهذا ، يبدو بعض النقاش السوري اليوم أقرب إلى حفلة إنكار جماعي للواقع .
فبينما ما تزال خرائط المنطقة تُفتح بالمشارط والسلاح والتفاهمات الدولية ، يخرج علينا بعض الأصوات التي تتعامل مع الوطنية بوصفها موقفاً موسمياً ليسألوا الكرد بحماس طفولي :
لماذا لا تركضون خلف المقاعد والمجالس والولائم السياسية المؤقتة ؟
وكأن القضية الكردية في سوريا كانت عبر تاريخها مشكلة بروتوكول أو سوء توزيع كراسٍ ، لا قضية إنكار وهوية وحقوق وشعب عاش عقوداً كاملة وهو يُعامل كخطأ جغرافي يجب تصحيحه بالصهر أو الإلغاء أو التخوين .
وفي الحقيقة ، فإن أكثر ما يثير السخرية في المشهد السوري الحالي ، أن بعض القوى التي لم تستطع حتى الآن الاتفاق على شكل الدولة ، ولا على معنى المواطنة ، ولا على طبيعة النظام السياسي القادم ، تبدو مستعدة لإعطاء دروس يومية للكرد في الوطنية والديمقراطية وفنون المشاركة السياسية .
أي باختصار : يريدون من الكرد أن يدخلوا القاعة كديكور وطني إضافي ، لا كشريك يمتلك قضية وحقوقاً وأوراق قوة وذاكرة طويلة من الخيبات .
ففي السياسة أيضاً هناك فرائض وسنن .
والفرق بين من يفكر بعقل الدولة ومن يفكر بعقلية الكومبارس السياسي ، أن الأول يتمسك بالأساسيات أولاً :
الدستور ، الاعتراف ، اللغة ، شكل النظام الإداري ، موقع القوات العسكرية ، الضمانات السياسية ، والتوازنات الإقليمية .
أما الثاني ، فينشغل بالنوافل السياسية ويقضي عمره يطارد الصور التذكارية داخل مؤسسات لا تملك حتى حق تعريف شكل الدولة نفسها .
نحن لا نعيش في سويسرا حتى نختلف على عدد المقاعد البرلمانية ونوعية القهوة في ردهات المجالس المنتخبة .
نحن في شرق أوسط يمكن أن تخسر فيه شعباً كاملاً لأن بعض عباقرة السياسة قرروا مطاردة السنن السياسية وترك فرائض البقاء على قارعة الخرائط .
ولهذا ، حين تتعامل الإدارة الذاتية بحذر وبرود مع بعض الدعوات السياسية ، فهي لا تتصرف بدافع الترف أو العناد الفولكلوري كما يتخيل البعض ، بل بعقلية طرف يعرف جيداً أن الشعوب الصغيرة في هذه المنطقة لا تُسامَح على أخطائها .
فهنا ، لا توجد محاكم تاريخية عادلة ،
ولا قوانين تحمي الضعفاء ، ولا مجتمع دولي يستيقظ صباحاً مدفوعاً بالضمير الإنساني .
هناك فقط موازين قوة ، ومصالح ، وحدود ، وصفقات ، ودول مستعدة لابتلاعك ثم إصدار بيان قلق بعد العشاء .
ولذلك يبدو بعض الخطاب السوري المعارض أحياناً مضحكاً إلى درجة البؤس .
فالبعض يريد من الكرد أن يشاركوا في أي مؤسسة جديدة فقط لإثبات حسن النية الوطنية ، حتى لو كانت تلك المؤسسات نفسها عاجزة عن تقديم جواب واضح على أسئلة أساسية جداً :
هل تعترفون أصلاً بالشراكة الحقيقية ؟
هل تقبلون بالتعدد القومي ؟
هل تؤمنون بأن سوريا ليست ملكية قومية خاصة ؟
وهل تعتبرون الكرد شعباً شريكاً أم مجرد تفصيل قابل للتأجيل حتى إشعار قومي آخر ؟
لكن المدهش أكثر ، أن كثيراً من الأصوات التي تتحدث ليل نهار عن الديمقراطية ، تصاب فجأة بحساسية سياسية حادة كلما اقترب النقاش من كلمات مثل : اللامركزية ، الحقوق القومية ، الإدارة الذاتية ، أو حتى تدريس اللغة الكردية .
فالديمقراطية عند البعض جميلة جداً ، بشرط ألا تنتج شريكاً حقيقياً خارج المزاج القومي التقليدي .
أما حين يبدأ الكرد بالمطالبة بضمانات دستورية أو حضور سياسي فعلي ، يتحول الخطاب فجأة من لغة المواطنة إلى قاموس التخويف والهواجس القومية التقليدية واتهامات الانفصال الجاهزة مسبقاً .
في المقابل ، يتصرف بعض المتحمسين للمشهد السوري الجديد وكأن مجرد الجلوس في مجلس مؤقت أو التقاط صورة جماعية تحت علم كبير هو فتح سياسي تاريخي .
مع أن الحقيقة أبسط وأكثر قسوة : لا قيمة لأي مقعد داخل مؤسسة لا تملك قرار الحرب ولا السلم ولا الدستور ولا شكل الدولة ولا تعريف الشراكة نفسها .
فالسياسة ليست هواية جمع كراسٍ ولا بطولة في سباق الصور التذكارية .
السياسة الحقيقية هي القدرة على حماية المصالح التاريخية لشعبك قبل أن يتحول إلى خبر عاجل أو موجة لجوء جديدة على الحدود .
ولا أحد يطلب من الغريق أن يناقش شكل القارب قبل أن يتأكد أن القارب نفسه لن يُغرقه عمداً في منتصف البحر .
وهذا لا يعني طبعاً أن الإدارة الذاتية بلا أخطاء .
بالعكس تماماً .
فهي تعاني من أمراض حقيقية : العقل الحزبي المغلق ، تضخم الخطاب الأيديولوجي ، ضعف الحياة السياسية ، الخلط بين الحزب والمؤسسات ، والتعامل أحياناً مع المجتمع وكأنه ملحق تنظيمي لا شريك فعلي في القرار .
لكن هناك فرقاً بين نقد تجربة بهدف تطويرها ، وبين التحريض عليها بعقلية من ينتظر سقوط السقف فوق الجميع فقط لأنه لا يحب شكل الجدران .
فبعض الكرد أنفسهم يتعاملون مع الإدارة الذاتية وكأن المطلوب إسقاطها فوراً لإثبات النقاء السياسي أو تصفية الحسابات الحزبية ، غير مدركين أن الشرق الأوسط لا يرحم الجماعات التي تدخل الانقسامات الكبرى بلا سقف قوة يحميها .
فالمنطقة لا تُدار بالشعر ولا بالأمنيات ولا بخطابات حقوق الإنسان الملقاة في المؤتمرات المكيفة .
إنها منطقة تُدار بالخوف والقوة والمصالح .
ومن لا يمتلك أوراق قوة حقيقية ، يتحول بسرعة إلى مادة خام في مشاريع الآخرين .
وربما هنا تكمن المأساة الكردية المزمنة :
أن الكرد يُطالبون دائماً بأن يكونوا مثاليين أكثر من الجميع .
أن يدافعوا عن أنفسهم دون أن يرفعوا صوتهم .
وأن يشاركوا في الدولة دون أن يطالبوا بضمانات .
وأن يثقوا بوعود المنطقة ، رغم أن تاريخهم مليء بالمقابر الجماعية والاتفاقات المنهارة والخديعة المتكررة .
ولهذا ، فإن تمسك الإدارة الذاتية اليوم بملفات مثل :
الدستور ، الاعتراف ، اللامركزية ، القوات العسكرية ، والتعليم باللغة الكردية ،
ليس ترفاً سياسياً ولا عناداً حزبياً كما يحاول البعض تصويره .
بل هو تمسك بما يمكن تسميته فعلاً : “فرائض البقاء السياسي” .
أما أولئك المنشغلون بالنوافل السياسية وثرثرة المقاعد المؤقتة ، فربما لا يدركون أن الجماعات التي تخطئ ترتيب أولوياتها في هذا الشرق الأوسط ، لا تخسر الانتخابات فقط… بل قد تخسر مكانها في التاريخ نفسه .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *