معادلة الإكراه الاستراتيجي ومستقبل الهدنة الهشة بين واشنطن وطهران- مهند ال كزار 

 

​شهدت المنطقة ليلة وفجر اليوم تصعيداً عسكرياً هو الأخطر منذ إقرار هدنة أبريل الماضي، حيث تجاوز الطرفان حدود المناوشات المنضبطة ليدخلا في جولة اشتباك مباشر بدأت بضربات أمريكية على امتداد الساحل الإيراني ومضيق هرمز، وردت عليها طهران بقصف صاروخي واسع استهدف مصالح وقواعد أمريكية في الأردن والكويت والبحرين.
​هذا التحول الميداني المتسارع لا يمكن قراءته كحدث عابر بل هو محاولة متبادلة لفرض شروط نهائية في الربع الأخير من المفاوضات.
​أولاً:- أبعاد الرد الإيراني
​تمثل الضربة الإيرانية الأخيرة وتحديداً استهداف قاعدة الأزرق في الأردن وحظائر طائرات F-35 تحولاً نوعياً في بنك الأهداف الإيراني، فقد أرادت طهران من خلال هذا الرد إرسال رسائل واضحة مفادها :-
١. ​توسيع جغرافيا الاشتباك
 شمل الرد ثلاث دول تحتضن مصالح أمريكية، مما يعني أن أي حظر أو حصار بحري على إيران سيقابله تهديد مباشر للمرتكزات العسكرية الأمريكية في المنطقة بأسرها.
٢. ​سياسة الردع المستقل
 عدم تدخل حلفاء إيران في هذه الموجة يعكس رغبة طهران في تأكيد قدرتها الذاتية على الرد المباشر وتثبيت قاعدة اشتباك تحمي عمقها وجبهاتها الحليفة مثل بيروت والضاحية.
​ثانياً:- استراتيجية ترامب من الردع إلى الإكراه
​على الجرف الآخر تكشف التغريدات الأخيرة للرئيس دونالد ترامب وهجومه الحاد بأن الإدارة الأمريكية لم تعد تكتفي بإدارة التصعيد عبر معادلة الضربة مقابل الضربة، حيث ​يسعى ترامب إلى فرض إكراه استراتيجي يضع إيران أمام خيارين:-
١. القبول باتفاق وفق الشروط الأمريكية الصارمة وتشمل ملفات الملاحة والنووي والنفوذ الإقليمي.
٢. تحمل كلفة تصعيد متدرج وشامل سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.
التصريحات الأمريكية بأن إيران استغرقت وقتاً طويلاً في التفاوض وحان وقت دفع الثمن تشير إلى ضيق صبر واشنطن ورغبتها في حسم الملف سريعاً.
​ثالثاً:- فرضية الذريعة والضغط الإسرائيلي
​التحليل الذي يربط بين الضربات الأمريكية وضغوط اليمين الصهيوني وإسرائيل يحمل موثوقية سياسية عالية، فإسرائيل تنظر بقلق شديد إلى محاولات إيران فرض خطوط حمراء تمنع استهداف بيروت والضاحية، و​وفقاً لهذا المنظور قد تكون قصة إسقاط مروحية الأباتشي مجرد غطاء سياسي ومبرر صاغته واشنطن بالترتيب مع تل أبيب لشن ضربات فحص واختبار للمنظومات الدفاعية الإيرانية على طول بحر العرب وخليج عمان تمهيداً لسيناريوهات أوسع، وفي نفس الوقت لكسر محاولة طهران فرض قواعد اشتباك تحمي جنوب لبنان.
​رابعاً:- الدبلوماسية خلف الكواليس
​رغم صوت الصواريخ لا يمكن فصل هذا التصعيد عن الحراك الدبلوماسي المحموم في الغرف المغلقة، فالحراك الباكستاني الأخير ومحاولة تضمين لبنان في اتفاقات وقف إطلاق النار، يشير إلى أن إيران تحاول استثمار أوراقها العسكرية لتحقيق مكاسب سياسية وتنازلات في الحل النهائي خصوصاً في الملف اللبناني وحماية هيكلية المقاومة هناك، فالمنطق الإيراني يقوم على أن القوة العسكرية في الميدان هي ما يمنح الدبلوماسية قوتها.
خامساً :- ​خلاصة واستشراف هل تكتفي إيران بالرد؟
​المنطقة الآن تقف على حافة توازن حرج، والإجابة عن هذا السؤال مرهونة بمدى قدرة الطرفين على تحويل هذه الجولة القتالية إلى تنازلات تفاوضية.
١. ​سيناريو التهدئة
 إذا نجحت الوساطات في صياغة مخرج يضمن لإيران تخفيفاً للحصار الاقتصادي ووضعية مقبولة لحلفائها في لبنان، قد تكتفي طهران بهذه الموجة كـ رد سيادي يحفظ الردع.
٢. ​سيناريو الانفجار الممتد
 إذا أصر ترامب على سياسة الإكراه ورفض تقديم تنازلات معتبراً أن القيادة الإيرانية في وضع ضعيف فإننا قد تشهد موجات أخرى ودخول المقاومة العراقية على خط استهداف المصالح الأمريكية في العراق وسوريا والكويت مما يعود بالمنطقة إلى حرب استنزاف إقليمية واسعة.
في المحصلة لم تعد جولة الصواريخ المتبادلة مجرد رد فعل عسكري بل هي عملية عض أصابع، حيث يحاول ترامب إخضاع طهران لشروطه مستخدماً ورقة النفط والضغط العسكري بينما تسعى إيران لإثبات أن تكلفة الحرب ستكون باهظة على المصالح الأمريكية وحلفائها.
​وهنا يبرز التسائل الحقيقي الذي ستجيب عنه الساعات القادمة:-
​هل ينجح ترامب في انتزاع اتفاق القرن الإقليمي عبر استراتيجية الإكراه أم أن طهران ستثبت مجدداً أن حسابات الميدان في الشرق الأوسط أعقد بكثير من حسابات الصفقات التجارية؟
ماجستير علاقات دولية ودبلوماسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *