الانسحاب الأمريكي من العراق: بين الوهم والواقع- د. جوتيار تمر

 

بعد يومين، في 30 سبتمبر 2026، يصل الانسحاب الأمريكي وقوات التحالف الدولي من العراق إلى موعده المعلن والنهائي؛ وبذلك تنتهي مرحلة عسكرية امتدت، بأشكال مختلفة، منذ عام 2003، وتدخل الدولة العراقية مرحلة جديدة يفترض أن تتحمل فيها بصورة أكبر مسؤولية أمنها ومجالها الجوي وملاحقة تنظيم داعش وحماية مؤسساتها وحدودها؛ لكن المشكلة تبدأ تحديدا من هنا، لأن انتهاء الوجود العسكري الأجنبي لا يعني بالضرورة اكتمال السيادة، كما أن خروج القوات لا يحسم تلقائيا سؤال من يملك القوة، ومن يقرر استخدامها، ومن يمتلك القدرة على حماية الدولة عندما تتعرض للتهديد.

لقد تعامل الخطاب الرسمي العراقي مع 30 سبتمبر بوصفه لحظة استعادة للسيادة، وهو توصيف مفهوم من الناحية السياسية، لكنه لا يكفي من الناحية الاستراتيجية.. فالسيادة ليست مجرد غياب القوات الأجنبية عن الأرض، وإنما هي قدرة الدولة على احتكار القرار الأمني والعسكري، وحماية مجالها الجوي، وملاحقة الجماعات المسلحة الخارجة عن بنيتها المؤسسية، ومنع استخدام أراضيها منصة لصراعات الآخرين؛ ولهذا فإن اليوم التالي للانسحاب سيكون، في الحقيقة، الاختبار الأصعب للدولة العراقية، لا خاتمة الاختبار.

المفارقة الأوضح أن الانسحاب سيكتمل في نهاية سبتمبر، بينما لم يحسم العراق بعد ملف السلاح خارج السيطرة الكاملة للدولة؛ فقد انتقل رئيس الوزراء علي الزيدي من الموعد الذي كان قد طرحه سابقا لإنهاء ملف سلاح الفصائل في 30 سبتمبر إلى خطة جديدة تنتهي في 30 يونيو 2027؛ ووفقا للخطة المعلنة، تبدأ العملية بمرحلة تهدئة مدتها تسعون يوما تمتنع خلالها الفصائل عن شن الهجمات، في مقابل عدم استهدافها من القوات الأمريكية، ثم تبدأ عملية نقل السلاح إلى سلطة الدولة بصورة تدريجية حتى نهاية يونيو المقبل.. وقد أكد المبعوث الأمريكي أن واشنطن وبغداد تتفقان على أن تكون الدولة، بحلول ذلك الموعد، صاحبة الاحتكار العسكري.

لكن المشكلة أن هذا الجدول الزمني لا يحظى بإجماع الفصائل؛ فبعضها طالب بتمديد المهلة إلى نهاية 2027، فيما ظهرت داخل الإطار التنسيقي نفسه تحفظات على تثبيت موعد ملزم، باعتبار أن تحديد سقف زمني صارم قد يعقد المفاوضات مع الفصائل المسلحة، وهنا تظهر المنطقة الرمادية التي سيجد العراق نفسه فيها بعد 30 سبتمبر: القوات الأجنبية تغادر، لكن احتكار الدولة للسلاح لا يتحقق في اليوم نفسه.. وهذا يعني أن الدولة ستدخل مرحلة جديدة وهي مطالبة بإدارة التوازن بين قوى مسلحة تملك قدرات عسكرية وسياسية، وبين التزام حكومي معلن بإعادة حصر القوة في مؤسسات الدولة.

وهذا هو الفارق بين الانسحاب والسيادة؛ الانسحاب قرار عسكري يمكن تحديد موعده وتنفيذه، أما السيادة فهي عملية مؤسساتية طويلة لا تبدأ وتنتهي بجدول زمني.. فإذا خرجت القوات الأجنبية وبقيت القوة موزعة بين الدولة وفصائل -ولائية- متعددة، فإن الفراغ الذي يتركه الانسحاب لن يكون بالضرورة فراغا جغرافيا، وإنما قد يتحول إلى فراغ في مركز القرار؛ ولا يعني ذلك أن العراق يدخل مرحلة خالية من القدرة العسكرية، فالقوات العراقية أثبتت خلال السنوات الأخيرة قدرتها على تنفيذ عمليات ضد بقايا داعش، بما في ذلك استخدام الطائرات العراقية من طراز F-16 في ضربات جوية استهدفت مخابئ للتنظيم في مناطق كركوك وصلاح الدين؛ وفي سبتمبر وحده نفذت القوات العراقية ضربات جوية ضد مواقع للتنظيم، كما نفذت عمليات برية وأمنية متواصلة.

لكن وجود هذه القدرة لا يلغي السؤال الآخر: هل تستطيع المنظومة العراقية المحافظة على مستوى الكفاءة نفسه من دون المساندة الدولية في مجالات الاستخبار والمراقبة والاستطلاع والدعم التقني والتدريب والصيانة؟ ، فهذا هو الاختبار الحقيقي الذي سيبدأ بعد الانسحاب، العراق لا يبدأ من الصفر، لكنه أيضا لا ينتقل من الاعتماد على التحالف إلى الاكتفاء الذاتي بمجرد مغادرة آخر جندي أجنبي؛ والأهم أن داعش لم يعد قوة تسيطر على مدن وأراض كما كان الحال قبل عام 2017، لكنه لم يختف من المشهد الأمني؛ ففي 27 سبتمبر تعرضت قرية المالحة في محافظة كركوك لهجوم بقذائف الهاون، وأفادت مصادر أمنية بمقتل امرأة وإصابة مدنيين، فيما اشتبكت القوات العراقية في اليوم نفسه مع مسلحين يرتدون أحزمة ناسفة قرب ألتون كوبري، وأسفرت العملية عن مقتل اثنين منهم وإصابة ثالث واعتقاله، هذه الوقائع لا تعني عودة داعش إلى ما كان عليه، لكنها تؤكد أن التنظيم ما زال يمتلك قدرة على الحركة والاختباء وتنفيذ عمليات في المناطق الريفية والجبلية والصحراوية،  ولذلك فإن المسألة بعد الانسحاب ليست: هل عاد داعش؟ وإنما: هل تستطيع الدولة العراقية منع بقايا التنظيم من تحويل المناطق الهشة أمنيا إلى مساحات لإعادة بناء قدراته؟.

ومن هنا تصبح كركوك ومناطق التماس أكثر أهمية؛ فالمناطق المتنازع عليها ليست مجرد جغرافيا أمنية، وإنما مساحة تتقاطع فيها مسؤوليات الجيش العراقي والبيشمركة، وتتعقد فيها مسألة التنسيق الأمني، وكل ضعف في التنسيق يمكن أن يتحول إلى ثغرة يستفيد منها التنظيم، لذلك فإن الانسحاب الأمريكي يضع بغداد وأربيل أمام ضرورة الانتقال من التنسيق الظرفي إلى بناء منظومة أمنية مشتركة أكثر وضوحا في المناطق التي تتداخل فيها المسؤوليات.

أما في اقليم كوردستان، فإن المسألة أكثر حساسية؛ فالانسحاب لا يقتصر على مغادرة قواعد في بغداد أو المناطق الاتحادية، وإنما يشمل أيضا القوات والمنظومات الدفاعية الموجودة في الاقليم؛  وقد أعلنت وزارة شؤون البيشمركة في 28 سبتمبر أن مغادرة القوات الأمريكية وقوات التحالف في 30 سبتمبر ستترك الاقليم من دون منظومة دفاع جوي، واعتبرت أن حماية المجال الجوي للاقليم، بوصفه جزءا من المجال الجوي العراقي، تقع على عاتق الحكومة الاتحادية؛ وهنا تكمن إحدى أكثر مفارقات المرحلة الجديدة حساسية.. فاقليم كوردستان لا يملك قرارا منفردا في ملف الدفاع الجوي، لأن المجال الجوي جزء من السيادة العراقية، في حين أن قدراته الخاصة في هذا المجال محدودة، وبذلك يصبح السؤال الكوردي بعد الانسحاب سؤالا عراقيا أيضا: هل تستطيع بغداد أن توفر الحماية للمجال الجوي للاقليم كما توفرها لبقية العراق؟ ، وهل يمكن تحويل العلاقة الأمنية بين الجيش العراقي والبيشمركة من ترتيبات ظرفية إلى منظومة دفاع اتحادية حقيقية؟.

وتزداد أهمية هذا السؤال بسبب الهجمات التي تعرض لها الاقليم خلال الأشهر الماضية؛ ففي 28 سبتمبر استهدفت ثلاث مسيرات مخيما للمعارضة الكوردية الإيرانية في منطقة كويسنجق جنوب شرقي أربيل، في استمرار لسلسلة هجمات تعرضت لها مواقع داخل الاقليم خلال مرحلة التصعيد الإقليم؛  وهذا يعني أن الاقليم يدخل مرحلة الانسحاب في بيئة إقليمية لم تهدأ، وليس في ظرف أمني مستقر يمكن فيه التعامل مع مغادرة المظلة الدفاعية الأمريكية بوصفها مجرد انتقال إداري؛ وفي المقابل، شهدت كوردستان في 21 سبتمبر خطوة مؤسساتية مهمة تمثلت في الإعلان الرسمي عن توحيد قوات البيشمركة وإعادة تنظيمها تحت وزارة شؤون البيشمركة، بعد سنوات طويلة من وجود بنيتين عسكريتين مرتبطتين بالقوتين السياسيتين الرئيسيتين في الاقليم؛ وقد أعلنت الوزارة أن القوات أصبحت ضمن هيكل قيادة وسيطرة موحد، فيما أكدت رئاسة الاقليم أن التوحيد يمثل بداية مرحلة جديدة.. لكن قيمة هذه الخطوة لا ينبغي أن تقاس بالاحتفال السياسي بها وحده، وإنما بما ستنتجه على الأرض؛ فالتوحيد المؤسسي يكتسب معناه الحقيقي عندما يصبح القرار العسكري واحدا، وسلسلة القيادة واضحة، والتمويل والتسليح والتدريب خاضعة لمؤسسة واحدة، والولاء للمؤسسة لا للقوى السياسية؛ وقد ظهرت بالفعل قراءات مختلفة بشأن مدى اكتمال هذا التحول عمليا، ما يجعل المرحلة المقبلة هي الاختبار الفعلي للتوحيد لا مجرد الإعلان عنه.

وهنا يمكن أن يلتقي مسارا بغداد واربيل في نقطة واحدة؛ بغداد مطالبة بحصر السلاح في الدولة، واربيل مطالبة بتحويل توحيد البيشمركة إلى مؤسسة عسكرية مستقرة؛ وفي الحالتين لا تكفي الصيغة القانونية وحدها.. الدولة الحديثة لا تقوم فقط على وجود مؤسسات تحمل أسماء رسمية، وإنما على وجود سلسلة قرار واضحة قادرة على تنفيذ ما تقرره.. ولهذا فإن انسحاب الولايات المتحدة يضع بغداد واربيل أمام فرصة وامتحان في الوقت نفسه؛ الفرصة تتمثل في إعادة تعريف العلاقة الأمنية العراقية على أساس الدولة والمؤسسات، والامتحان يتمثل في قدرة الطرفين على بناء ترتيبات دفاعية مشتركة لا تجعل الاقليم منطقة أمنية منفصلة عن العراق، ولا تجعل بغداد تنظر إلى أمن الاقليم باعتباره ملفا ثانويا؛ وإذا كان المجال الجوي العراقي واحدا دستوريا، فإن المسؤولية عن حمايته يجب أن تكون واحدة عمليا أيضا.

أما على المستوى السياسي، فإن العراق سيدخل بعد 30 سبتمبر مرحلة أكثر حساسية في علاقته بين واشنطن وطهران؛ فالانسحاب الأمريكي المباشر سيقلل الوجود العسكري الأمريكي داخل العراق، لكنه لا يعني انتهاء العلاقة العراقية الأمريكية، فمن الممكن أن تستمر أشكال أخرى من التعاون الأمني والاستخباري والدفاعي عبر ترتيبات ثنائية جديدة، وهو ما يجعل الانسحاب العسكري مختلفا عن الانفصال السياسي والاستراتيجي.. وفي الوقت نفسه، فإن انتهاء الوجود العسكري الأمريكي يزيل واحدة من الحجج الرئيسية التي تستخدمها الفصائل المسلحة لتبرير استمرار سلاحها؛ غير أن ذلك لا يعني أن مسألة السلاح ستنتهي تلقائيا.. فقد أعلنت فصائل مسلحة أنها تربط التخلي عن السلاح بخروج القوات الأجنبية، فيما تقول الحكومة إن احتكار الدولة للسلاح ضرورة للانتقال إلى المرحلة الجديدة.

وهكذا قد يتحول السؤال بعد 30 سبتمبر من سؤال عن وجود القوات الأجنبية إلى سؤال أكثر عمقا: ماذا تفعل الدولة عندما لا يبقى وجود أجنبي يمكن تحميله مسؤولية الاختلالات الأمنية؟، عندها ستصبح قدرة الحكومة على فرض قواعد موحدة، وإدارة السلاح، وحماية المجال الجوي، وضبط الحدود، والتعامل مع التهديدات الداخلية، هي المعيار الذي ستقاس به الدولة.. ومن هنا أيضا يجب النظر إلى العلاقة مع إيران بعيدا عن التبسيط؛ فالعراق يقع في منطقة تتداخل فيها المصالح الإيرانية والأمريكية والتركية، ولا يستطيع أن يلغي هذا الواقع بمجرد انسحاب قوة عسكرية من أراضيه؛ المطلوب ليس أن ينتقل العراق من مظلة إلى مظلة أخرى، وإنما أن يبني قدرة دولة تسمح له بإدارة علاقاته الخارجية من موقع مؤسساتي أكثر توازنا.

أما اقليم كوردستان، فسيكون أمام معادلة أكثر تعقيدا: الحاجة إلى استمرار التعاون الدولي من جهة، والحاجة إلى تطوير قدراته الدفاعية ضمن الاطار العراقي من جهة أخرى.. ولذلك فإن الخيار العملي لا يبدو في رفض الانسحاب، ولا في تجاهل مخاطره، وإنما في بناء ترتيبات جديدة تشمل الدفاع الجوي، وتبادل المعلومات الاستخبارية، والتنسيق بين البيشمركة والجيش العراقي، واستمرار التدريب والدعم التقني من خلال العلاقات الثنائية مع الدول التي شاركت في دعم العراق والاقليم خلال السنوات الماضية.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتعامل العراق مع 30 سبتمبر باعتباره نهاية المشكلة، بينما هو في الحقيقة بداية مرحلة جديدة من المسؤولية؛ فخروج القوات الأجنبية قد يغلق فصلا عسكريا، لكنه يفتح فصلا سياسيا وأمنيا أكثر صعوبة.. وفي هذا الفصل لن يكون السؤال: هل انسحب الأمريكيون؟ فهذا أمر مقرر، بل: هل تستطيع الدولة أن تملأ المساحة التي تركها الانسحاب؟، إن الدولة التي تريد سيادة كاملة تحتاج إلى جيش قادر، وقوة جوية فاعلة، ودفاع جوي يحمي مجالها، وأجهزة استخبارية تمتلك المعلومات قبل وقوع الخطر، ومؤسسات سياسية قادرة على اتخاذ القرار، وسلاح لا ينازعها عليه طرف آخر، وتحتاج كذلك إلى علاقة اتحادية واضحة بين بغداد واربيل، لأن الأمن في العراق لا يمكن تقسيمه على نحو يجعل تهديدا في كركوك ملفا اتحاديا، وتهديدا في أربيل ملفا اقليميا، بينما المجال الجوي والحدود والتهديدات الإقليمية واحدة.

لهذا لا ينبغي النظر إلى الانسحاب الأمريكي بوصفه انتصارا مكتمل الأركان ولا بوصفه كارثة حتمية؛  هو حدث استراتيجي ينقل المسؤولية بصورة أكبر إلى الدولة العراقية، ويكشف في الوقت نفسه مستوى استعداد مؤسساتها لتحمل تلك المسؤولية، فإذا نجحت بغداد واربيل في تحويل مرحلة ما بعد الانسحاب إلى مرحلة بناء مؤسسات أمنية مشتركة، فقد يتحول خروج القوات الأجنبية إلى بداية مختلفة للعلاقة بين الدولة ومؤسساتها؛ أما إذا بقي السلاح موزعا، والقرار الأمني متعددا، والدفاع الجوي غائبا، والتنسيق الاتحادي هشا، فإن الانسحاب لن يصنع السيادة وحده؛ فالسيادة لا تبدأ بخروج الجندي الأجنبي وتنتهي عند الحدود؛ السيادة تبدأ عندما يصبح قرار الحرب والسلم والسلاح والدفاع والأمن قرارا مؤسسيا واحدا؛ وفي 30 سبتمبر ينتهي وجود عسكري طويل، لكن السؤال الحقيقي سيبدأ في اليوم التالي: هل أصبح العراق قادرا على حماية نفسه، أم أنه انتقل فقط من مرحلة الاعتماد على القوة الأجنبية إلى مرحلة اختبار قدرته على صناعة قوته الخاصة؟.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *