إعلام إقليم كوردستان: كثرة المنابر وغياب الصحافة – د. جوتيار تمر

 

(من اقتصاد الولاء السياسي إلى تسليع الثقة الجماهيرية وصناعة الإثارة الإعلامية)

 

اقليم كوردستان 31-10-2026

لا تكمن أزمة الإعلام في إقليم كوردستان في نقص المنابر والمؤسسات، بل في التضخم الكمي الذي يقابله انكماش واضح في الصحافة المهنية، فعندما يمتلك الإقليم نحو 1700 وسيلة إعلامية تقريبا، ترتبط أكثر من 90 بالمئة منها بصورة مباشرة أو غير مباشرة بأحزاب سياسية أو شخصيات نافذة، فإننا لا نكون بالضرورة أمام تعددية إعلامية حقيقية، بل أمام تضخم في عدد المنابر لا يقابله استقلال مماثل في الأداء والوظيفة.

فالتعددية الإعلامية لا تقاس بعدد القنوات والمواقع والإذاعات، وإنما بقدرتها على مساءلة السلطة، وكشف مواطن الخلل، والتحقيق في الملفات التي لا ترغب الجهات النافذة في ظهورها، والمقياس الحقيقي لحيوية الصحافة ليس عدد الشاشات، بل عدد التحقيقات التي أزعجت أصحاب النفوذ ودفعتهم إلى تقديم إجابات للرأي العام.

ومن هنا تبدأ الحكاية، إن ما يمكن تسميته بـ(إعلام الأزقة) لم ينشأ بالضرورة من ضعف المهارات الصحفية وحدها، بل من اقتصاد إعلامي أعاد تشكيل أولويات المهنة، فعندما تتحكم المصالح السياسية والمالية في شروط الإنتاج الإعلامي، تصبح الإثارة أكثر ربحا من التحقيق، والحكاية الشخصية أكثر جذبا من التحليل، والولاء أكثر أمانا من المساءلة.

يقوم الخبر المهني على ثلاثة مستويات مترابطة، ماذا حدث، ولماذا حدث، وما الذي يمكن أن يترتب عليه، أما في جانب من الإعلام السائد في الإقليم، فقد تقلصت هذه الوظيفة إلى سؤال واحد، هل يجذب المحتوى المشاهدات ويضمن استمرار التفاعل، ولهذا تحولت حوادث القتل والعنف الأسري والشجارات والخيانة والنزاعات الشخصية إلى مواد إعلامية جاهزة للاستهلاك، وفي كثير من الأحيان، لا يحتاج إنتاجها إلى مراسل ميداني أو وثائق موثوقة أو متابعة قضائية، بل يكفي تسجيل بهاتف محمول وتعليق انفعالي ومداخلة ساخنة لتحويل الواقعة إلى مادة قابلة للتداول لساعات وربما لأيام.

المشكلة هنا ليست في تغطية الجرائم، فهذه جزء من وظيفة الإعلام، وإنما في التوقف عند الحادثة وعدم الانتقال إلى تحليل الظاهرة، فقد تتحول جريمة قتل واحدة إلى حلقات متكررة من النقاش والاستعراض، بينما لا تجد الأسباب المرتبطة بالعنف الأسري والفقر والإدمان والتفكك الاجتماعي مساحة مماثلة من البحث والتحليل، وهذا هو الفارق بين الصحافة التي تتعامل مع الحدث باعتباره مدخلا لفهم الواقع، والإعلام الذي يتعامل معه باعتباره مادة للاستهلاك، فالحدث يمكن نقله بسرعة، أما الظاهرة فتحتاج إلى أرقام وسياقات ومقارنات وخبراء ومتابعة مستمرة، وهي عناصر لا يمكن تعويضها باستوديو مفتوح يفتقر إلى غرفة أخبار متخصصة.

وقد بلغت هذه الإشكالية مستوى استدعى تدخلا رسميا، ففي آذار 2025، خاطبت النيابة العامة في السليمانية وسائل الإعلام بكتاب رسمي دعتها فيه إلى عدم تغطية حوادث القتل قبل استكمال التحقيقات، بعد ملاحظتها قيام بعض القنوات بعرض تفاصيل القضايا وإجراء مقابلات مع أقارب الضحايا، بما يسبق الإجراءات القضائية ويؤثر في الرأي العام، وقد وصفت الخبيرة الإعلامية نزاكت حسين هذه المشكلة بوضوح، مشيرة إلى أن بعض وسائل الإعلام في الإقليم تحسم القضايا قبل أن تبت فيها المحاكم، وتعرض تفاصيل الحوادث للجمهور بطريقة تجعلها أشبه بمحاكمة إعلامية موازية.

ومن النتائج اللافتة لتراجع الثقة بالمؤسسات الإعلامية انتقال جزء من الثقة العامة من المؤسسة إلى الشخص الذي يظهر عبر شاشتها، فعندما تفقد القناة مصداقيتها بسبب ارتباطاتها السياسية والمالية، يصبح المذيع هو العلامة، لا المؤسسة، ومن هنا نفهم كيف تحول بعض مقدمي البرامج إلى رموز وطنية أو قومية في الوعي الجماهيري، متجاوزين حدود الوظيفة الإعلامية إلى موقع التمثيل العاطفي والسياسي للجمهور.

لكن هذه المكانة الرمزية تحمل تناقضا آخر، فالثقة التي يبنيها المذيع عبر سنوات من الخطاب الوطني أو القومي يمكن أن تتحول بسهولة إلى رأسمال تجاري، فالشخصية التي تقدم نفسها باعتبارها صوتا لقضايا المجتمع قد تظهر في اليوم التالي لتسويق عقار أو عطر أو منتج تجاري، من دون فصل واضح بين موقعها الإعلامي ومصلحتها الإعلانية، وليس الإعلان التجاري في ذاته مشكلة، وإنما المشكلة في غياب الحدود بين التحليل والترويج، وبين الثقة المهنية والمصلحة الشخصية، فالمذيع الذي يستثمر مكانته الجماهيرية في التسويق مطالب بالوضوح والإفصاح، تماما كما أن الصحفي مطالب بالفصل بين المعلومة والموقف والمصلحة.

والأخطر أن هذه الشخصنة قد تتحول إلى وسيلة للتحصن من النقد، فبدلا من أن تكون الثقة الجماهيرية حافزا على الالتزام بالمعايير المهنية، تصبح أحيانا وسيلة للدفاع عن الأخطاء والمواقف الشخصية، وهنا يظهر الفرق بين الصحفي الذي يستمد شرعيته من استقلاليته وقدرته على المساءلة، وبين الزعيم الجماهيري الذي يستمد سلطته من ولاء أنصاره، كما تؤدي هذه الظاهرة إلى إعفاء المؤسسة من مسؤوليتها، فتخطئ القناة وينسب الخطأ إلى المذيع، ويخطئ المذيع فيتولى جمهوره الدفاع عنه، بينما تبقى المؤسسة بلا مجلس تحرير مستقل ولا مرجعية أخلاقية واضحة، وهكذا تتحول المسؤولية المهنية من التزام مؤسسي إلى علاقة شخصية بين الإعلامي وجمهوره.

ويمكن تحديد الخسائر الناجمة عن التغطية غير المهنية للجرائم في ثلاثة مستويات مترابطة، أولها قانوني، ويتمثل في انتهاك قرينة البراءة وتحويل وسائل الإعلام إلى محاكم موازية تصدر أحكامها قبل القضاء، وقد حذر وزير الداخلية نفسه من قيام بعض وسائل الإعلام بأدوار الشرطة والادعاء العام والطبيب الشرعي، ومن إجراء مقابلات مباشرة مع الجناة أو المشتبه بهم، لما قد يترتب على ذلك من تبرير للجريمة أو التأثير في فهم الجمهور لها، فالإعلام ليس جهة تحقيق جنائي، ولا يملك صلاحية إصدار الأحكام، وإنما تتمثل وظيفته في نقل المعلومات الموثوقة ومراقبة أداء المؤسسات والدفاع عن الحق العام، مع احترام استقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة.

أما المستوى الثاني فهو اجتماعي، إذ تتحول الجريمة من واقعة تستدعي الفهم والمساءلة إلى مادة ترفيهية للاستهلاك الجماهيري، وتصبح الضحية وأسرتها موضوعا للتداول، وتستباح الخصوصية تحت غطاء السبق الإعلامي، كما يعاد إنتاج ثقافة العار والوصم الاجتماعي من خلال التركيز على التفاصيل الشخصية والعائلية بدلا من تحليل الظروف التي أنتجت الظاهرة، ويمتد هذا الأثر إلى صورة المجتمع الكوردي نفسه، فعندما تطغى أخبار الجرائم والعنف والفضائح على المحتوى الإعلامي، يبدو المجتمع وكأنه مجتمع حوادث وأزمات، بينما تتراجع صورة منجزاته الثقافية والعلمية والاقتصادية والمؤسساتية، ولا يعني ذلك إخفاء المشكلات أو تجميل الواقع، بل يعني رفض تحويل الحالات الفردية إلى صورة كلية تختزل مجتمعا بأكمله.

أما المستوى الثالث فهو معرفي، فالحوادث المتكررة ليست مجرد أخبار منفصلة، بل مؤشرات على مشكلات بنيوية تتطلب دراسة اجتماعية ونفسية وقانونية وإحصائية، وهنا تتمثل وظيفة الصحافة الجادة في تقديم الأرقام والسياقات، والاستعانة بالمتخصصين، والانتقال من إثارة الأسئلة الانفعالية إلى إنتاج معرفة تساعد المجتمع على فهم مشكلاته، وفي هذا السياق، تمثل المبادرات التي تقوم بها منظمات كوردية متخصصة في مراقبة المحتوى الإعلامي وتوثيق الانتهاكات المهنية وحقوق الخصوصية خطوة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها ما لم تقترن بإصلاح مؤسسي داخل وسائل الإعلام نفسها.

إن تجاوز هذه الأزمة لا يتحقق بالمواعظ الأخلاقية أو الدورات التدريبية وحدها، فالمشكلة تتجاوز مهارات الصحفيين إلى طبيعة المؤسسات التي يعملون فيها، ومصادر تمويلها، والجهات التي تتحكم في قراراتها التحريرية، ويقتضي الإصلاح اعتماد بروتوكولات مهنية واضحة لتغطية الجرائم، تمنع نشر صور الجثث والمشاهد الصادمة، وتحمي أسماء أقارب الضحايا وخصوصيتهم، وتتجنب إجراء مقابلات مع المشتبه بهم بما يؤثر في التحقيقات، مع الالتزام بمتابعة القضية حتى صدور الحكم القضائي وتصحيح المعلومات السابقة عند الضرورة.

كما يتطلب إنشاء أقسام متخصصة في الشؤون الاجتماعية والقانونية داخل غرف الأخبار، بدلا من إسناد القضايا المعقدة إلى مقدمي برامج لا يمتلكون التأهيل المناسب، وينبغي تعزيز الشراكة بين المؤسسات الإعلامية والجامعات، بحيث تتحول الحوادث المتشابهة إلى موضوعات بحثية مشتركة، لا إلى حلقات متكررة تستثمر الألم الإنساني في تحقيق المشاهدات، ومن الضروري أيضا اعتماد سياسات معلنة لتصحيح الأخطاء، وإنشاء آليات مستقلة لتلقي شكاوى الجمهور، وتفعيل مجالس تحرير تحمي القرار الصحفي من تدخل المالك أو الممول، فالمؤسسة التي لا تستطيع مساءلة نفسها لا يمكنها أن تمارس مساءلة الآخرين.

لكن الشرط الأكثر أهمية يظل شفافية الملكية والتمويل، فلا يمكن الحديث عن استقلال الصحافة في ظل غموض مصادر الأموال والعلاقات السياسية والتجارية التي تتحكم في المؤسسات الإعلامية، ويجب أن يكون الإفصاح عن الملكية والتمويل، والفصل بين الإعلان والتحرير، جزءا أساسيا من قواعد تنظيم العمل الإعلامي، كذلك ينبغي تغيير مقياس النجاح، بحيث لا تختزل قيمة المؤسسة في عدد المشاهدات ومعدلات التفاعل، وإنما تقاس بجودة تحقيقاتها، ودقة معلوماتها، وقدرتها على كشف الخلل المؤسسي والتأثير في السياسات العامة، ومن هنا تبرز أهمية دعم الصحافة الاستقصائية بتمويل مستقل وشفاف، بعيدا عن الميزانيات الحزبية والمصالح المباشرة.

إن الإعلام في إقليم كوردستان لا يعاني أزمة تقنية بقدر ما يعاني أزمة في بنية الملكية والتمويل والحوكمة، فحين يكون الممول هو نفسه صاحب المصلحة السياسية، وحين تصبح المؤسسة امتدادا لنفوذ المالك، تتراجع إمكانية المساءلة، ويصبح المحتوى المثير والشخصنة والإعلان الرخيص أكثر قدرة على الاستمرار من الصحافة المهنية المستقلة، إن أزمة الإعلام ليست في قلة الكفاءات أو نقص الأجهزة، بل في السؤال الذي يسبق كل ذلك، من يملك المؤسسة، ومن يمولها، ومن يحدد ما يجوز نشره وما يجب السكوت عنه.

لذلك لا يبدأ الإصلاح الحقيقي بدورة تدريبية في الكتابة الصحفية، بل بثلاثة شروط مؤسسية لا غنى عنها، شفافية الملكية والتمويل، وهيئة تحرير مستقلة قادرة على حماية القرار المهني، وقضاء يحمي الصحفي وحقوق الأفراد معا، فالإعلام المستقل ليس إعلاما فوق المساءلة، وحماية حرية الصحافة لا تعني منحها حق انتهاك خصوصية الناس أو إصدار الأحكام نيابة عن القضاء، وإنما تعني بناء مؤسسة قادرة على قول الحقيقة ومساءلة السلطة، من دون أن تتحول هي نفسها إلى سلطة غير خاضعة للمساءلة.

وما لم تتغير هذه البنية، ستظل المنابر تتكاثر بينما تنكمش الصحافة، وستبقى الشاشات مزدحمة بالأصوات، لكنها فقيرة بالتحقيقات، عندها لن تكون المشكلة في غياب الإعلام عن المجتمع، بل في غياب الصحافة عن الإعلام.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *