تفتح التحولات الجيوسياسية المتسارعة في الشرق الأوسط، وبصورة أخص في مرحلة ما بعد خروج القوات الأجنبية من العراق، باباً واسعاً لمناقشة التحالفات التاريخية والسياسية داخل البلاد والمنطقة. لم تكن العلاقة بين الكرد ومحيطهم الإقليمي والداخلي يوماً خياراً استراتيجياً يخدم القضية الكردية، بل إن تقديم المصلحة الشخصية والعائلية الضيقة على مصلحة الأمة الكردية جَعَلَها خاضعةً دائماً لمصالح الدول المحتلة لكردستان، مما أنتج تاريخاً حافلاً بسفك الدماء الكردية وتشتيت بيتهم الداخلي وتقسيم وطنهم حتى يومنا هذا. وعلى الرغم من الدعم الغربي الممتد للكرد، إلا أن الذهنية الانقسامية المصلحية بقيت هي السائدة، لتشكل حجر عثرة أمام تقدم إقليم كردستان، وتتسبب في تراجع الحلفاء الغربيين عن تقديم الدعم المستدام لقضيتهم العادلة.
المعادلة العراقية الجدلية: الجغرافيا المذهبية، الرهان الكردي، وتوازن البقاء
تُطرح اليوم تساؤلات جادة حول كيفية استعادة التنظيمات المتطرفة لترسانتها العسكرية وقدرتها على البقاء، رغم وجود التحالفات الدولية والتقنيات العسكرية الحديثة. إن ظهور هذه الجماعات بأساليب وآليات جديدة في مناطق مثل سلسلة جبال حمرين وبادية الشام يُسلط الضوء على تناقض صارخ في العصر الحديث؛ ففي الوقت الذي تستطيع فيه القوى العظمى إرسال المسبارات والمركبات الاستكشافية لفك أسرار كوكب المريخ على بعد مئات الملايين من الكيلومترات، تقف هذه التقنيات عاجزة أمام تمشيط وتطهير سلسلة جبلية محلية.
إن استخدامنا لمصطلح “سلاح الأبابيل” لم يأتِ من فراغ، بل يعكس قناعتنا التامة والمتزايدة بأن التغاضي عن هذه البؤر في حمرين وغيره أو غض الطرف عن خطوط إمدادها يُستخدم أحياناً كأداة لإدارة الأزمات وضمان توازن الرعب. ومن هذا المنطلق، تبرز المخاوف من أن المراهنة على الفصائل والتنظيمات السنية المتطرفة، أو محاولة استغلالها كحائط صد ضد نفوذ أطراف أخرى، يمثل تهديداً مباشراً ومستداماً لجميع مكونات المنطقة، وفي مقدمتهم الكرد الذين كانوا دائماً الضحية الأولى للتمدد الراديكالي.
وعند المقارنة بين التجارب التاريخية للمكون الكردي في التعامل مع محيطه السياسي، تظهر فروق جوهرية في أدبيات وممارسات القوى الحاكمة. فقد واجه الكرد عبر عقود أنظمة حكم اعتمدت القومية العربية المتشددة كإيدولوجيا مركزية لإدارة الدولة، ونجم عن هذه الأيديولوجيا مآسٍ إنسانية كبرى بدءاً من عمليات الأنفال ووصولاً إلى القصف بالأسلحة الكيماوية في حلبجة وسياسات التعريب والتهجير القسري، حيث أثبت التاريخ أن الأنظمة القائمة على العرقية الصارمة ترى في الهوية الكردية تهديداً وجودياً يجب محوه أو إخضاعه.
ويظهر هذا التمايز بوضوح عند المقارنة المباشرة بين النماذج السياسية الحاكمة التي تعامل معها الكرد في سوريا والعراق. ففي سوريا، وعلى مدى عقود متعاقبة، هيمنت العقلية السياسية القائمة على القومية الشوفينية والأحادية الإقصائية، مسقطةً أفكاراً رفضت الاعتراف بأبسط الحقوق الوطنية والقومية للكرد؛ بدءاً من تجريد مئات الآلاف منهم من جنسيتهم في إحصاء عام 1962 الجائر، وصولاً إلى الرفض القاطع والمستمر لأي شكل من أشكال الإدارة الذاتية أو الفيدرالية. كما أن التيارات السياسية والتنظيمات التي تصدرت الواجهة المشهدية للمحيط السني الإقليمي غالباً ما تأثرت بالنهج الأحادية، واعتمدت الأيديولوجيات السلفية الراديكالية أو القومية المغلقة، مما جعل أطروحاتها السياسية تتسم بالإقصاء القومي والمذهبي وتجريد الآخرين من حقوقهم الدستورية.
وفي المقابل، أتاحت المعادلة السياسية التي قادتها القوى الشيعية في بغداد بعد عام 2003 مساحة أكثر انفتاحاً على التعددية والمشاركة؛ بحكم إطارها العقائدي الذي لا يقوم على العرقية القومية الصارمة، وبسبب طبيعة النظام البرلماني التوافقي الذي تأسست عليه الدولة العراقية الجديدة. هذا التكوين أتاح مرونة سياسية غير مسبوقة لبناء نموذج ديمقراطي تفاعلي، تُوج بإقرار النظام الفيدرالي في دستور 2005 والاعتراف بالكيان الدستوري لإقليم كردستان وحقوقه السياسية والمالية والأمنية.
وتُشكل تجربة الكرد الفيلية الدليل الميداني الأكثر ووضوحاً على أهمية العامل المذهبي في حماية الوجود البشري والجغرافي عند إخواننا الشيعة. فقد تعرض الكرد الفيلية خلال عقود الحكم السابق لتهجير قسري وتجريد من المواطنة بسبب انتمائهم المزدوج القومي والمذهبي، لكن في مرحلة ما بعد 2003، شكل هذا الانتماء المذهبي ذاته عامل تمكين وبقاء؛ فلولا تحالفهم وانتماؤهم للمحيط الشيعي في بغداد والمحافظات الجنوبية، لما استطاعوا استعادة حقوقهم والاندماج مجدداً في البيئة المجتمعية والسياسية. يؤكد هذا النموذج أن الاندماج المذهبي القائم على المظلة الجامعة وفر حماية عملية لم تكن لتتحقق تحت راية المكونات القومية المتشددة.
يقود هذا التحليل إلى استنتاج مفاده أن الاستقرار العراقي يستند إلى معادلة متكافئة وتكامل استراتيجي بين بغداد وأربيل. إن وجود إقليم كردستان مستقر ودستوري وقوي أمنياً يمثل خط الدفاع الأول والساتر العازل الذي يمنع تدفق الجماعات المتطرفة نحو مناطق الوسط والجنوب، كما يُشكل ضمانة لمنع عودة الدكتاتورية المركزية التي أضرت بالجميع. وبالمقابل، فإن الشرعية الدولية للإقليم، وتدفقاته المالية، ومظلتهم الدستورية، تظل مرهونة بالارتباط بالمركز في بغداد، وأي محاولة للخروج من هذه المعادلة أو التحالف مع قوى إقليمية أو تنظيمات راديكالية تضمر العداء للمكونات الأخرى ستؤدي حتماً إلى عزلة الإقليم وفقدانه لحليفه الاستراتيجي.
في النهاية، تظل الدروس التاريخية حاضرة بصرامة؛ فإذا لم يستطف الكرد في جبهة موحدة تتسامى على المصالح الحزبية والعائلية الضيقة، فإن شبح معركة جالديران جديدة عام 1514 سيخيم على المنطقة من جديد، حيث أدى الانقسام الكردي وقتها إلى تمزيق جغرافيتهم وتحويل أراضيهم إلى ساحة صراع ومساومات بين الإمبراطوريات الإقليمية. إن تجنب سيناريو تقسيم جديد وأكثر خطورة يتطلب خطوات داخلية حازمة، في مقدمتها بتر وتطهير كل الجهات والأطراف السياسية والتنفيذية التي تماطلت أو تخادنت مع تنظيم داعش وقوى الإرهاب مجاملة لصفقات مشبوهة أو حمايةً لمصالح شخصية ضيقة. إن تنقية البيت الكردي من هذه الاختراقات، والالتحاق برهان استراتيجي واضح مع حلفاء الميدان والدستور في بغداد، هما السبيل الوحيد لضمان بقاء الإقليم وتجنب السقوط في فخ الصفقات الإقليمية القومجية.

